الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
( المائدة 75 ) ، ومريم إذن لم تكن نبيّة ، وليس معنى صدّيقة أنها أقل حظّا من النبيّات ، ولكن النبيّة تتنبأ مثلما كانت بنات فيلبس الأربع يفعلن ، ومريم لم تتنبأ ، وكانت أظهر صفاتها تصديقها لما يقال لها ، فلما جاءها الملك جبريل صدّقته فورا ، ولمّا قال لها ابنها ما قال عن نفسه ، صدّقته ، وكانت تسارع إلى تصديق آيات ربّها . والصدّيقة إنسانة كغيرها من البشر ، ومريم كانت تأكل الطعام ، وكذلك ابنها ، ولم يكن المسيح إلها وإنما إنسان رسول ، وعبد من عباد اللّه ، والاثنان كانا مخلوقين محدثين ، ولم يحدث أن دفع أحدهما هذه الصفة عن نفسه ، وهل يصلح المربوب أن يكون ربّا ؟ غير أن النصارى قالوا : مريم بشر ، ولكن المسيح نصفه إله ونصفه بشر ، فإذا كان يأكل كالبشر ، ويفعل مثلهم ، فإنما كان أكله وشربه وتغوّطه بناسوته لا بلاهوته ! ونقول : فكيف فعل روح القدس - وهو اللّه - الحمل في مريم ؟ هل كان له ناسوت ليختلط بناسوتها ؟ ولا يتصور عاقل اختلاط إله بغير إله ، وانقسام شخص على نفسه إلى قسمين متنافرين ومتضاربين ، وإذا كانت مريم تأكل مما يأكله ابنها ، فإن عليهما أن يتغوّطا ويتبوّلا ، وهذا دليل على بشريتهما ، واستحالة اختلاط اللّه بهما . وقوله تعالى : إن مريم صدّيقة ينفى عنها إذن نفيا تاما أنها كانت نبيّة .
* * *
910 . كرامات مريم
كرامات الأولياء ثابتة على ما دلّت عليه الأخبار الثابتة والآيات المتواترة ، وفي حق مريم كانت الفواكه عندها لا تنقطع ، وقد تظهر لها الفواكه الشتوية في الصيف ، والصيفية في الشتاء ، فرزقها دائم ، والخير عندها عميم ، كقوله تعالى :
كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً
( آل عمران 37 ) ، ولمّا جاءها المخاض أمرت النخلة فأثمرت لتوّها ، قال تعالى :
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا
( 25 ) ( مريم ) ، ولم تكن مريم نبية ، والأنبياء لهم « المعجزات » بينما الأولياء والصدّيقون لهم « الكرامات » ، ومريم كانت صدّيقة بقوله تعالى :
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ
( المائدة 75 ) ، والفرق بين المعجزة والكرامة : أن الكرامة من شرطها الاستتار ، فكذلك كانت كرامات مريم ، والمعجزة من شرطها الإظهار ؛ والكرامة تظهر من غير دعوى ، وكذلك كانت كرامات مريم ، والمعجزة تظهر عند دعوى الأنبياء فيطالبون بالبرهان .
* * *