اللّه طوعا بلا علّة ، نفسية أو عضوية ، لأنه كان نبيا من الصالحين ، يعنى من المخلصين الذين كرّسوا أنفسهم للعبادة وللخدمة ، وصلاحه أنه يؤدى للّه ما يقرّبه إليه ، ويؤدى للناس ما تقوم به حياتهم في الدنيا والآخرة .
* * *
901 . اسمه يحيى
اسم « يحيى » من الحياة ، لأنه سيموت ويقتله أعداؤه ولكنه « يحيا » بعدهم ، ويظل اسمه تردده الألسنة بالذكر الحسن ، ومن ذلك أنه ما من نبىّ قال عنه ربّه مثلما قال عن يحيى ، قال :
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
( 15 ) ( مريم 15 ) . وأوحش ما يكون ابن آدم في ثلاثة مواطن : يوم يولد فيخرج إلى دار الهمّ والغمّ ، ويوم يموت فيعانى السكرات ويدفن في التراب ويترك وحيدا إلا من جيران من عظام ورمم ، ويوم يبعث حيا فيشهد ما لم يشهده من قبل مما يشيب له الولدان ، فأما يحيى فله السلام في هذه المواضع الثلاثة ، فلم يبك لمّا ولد ، ولا اغتمّ يوم قتل ، ويوم يبعث ، فبعثه عند ربّه في جنات وعيون . وهو في الثلاثة : الحىّ الذي لا تموت له ذكرى أبدا ، وقال فيه المسيح : « لم يقم بين المولودين من النساء من هو أعظم من يوحنا المعمدان » ( متى 11 / 11 ) ، وكان يوحنا يعيش مثل إيليا النبىّ ، ويلبس مثله ، ولم يكن يظن أنه شئ ، وقال عن نفسه إنه : « صوت صارخ في البرية » ( يوحنا 1 / 13 ) ، وسنظل نذكر اسم قلعة « مخيروس » المطلة على البحر الميت لأن يوحنا سجن بها إلى أن قتلوه وفصلوا رأسه ، ثم حملوا الجسد الطاهر إلى « سبسطيا » ودفنوه هناك بجانب قبر النبيين اليسع وعوبديا ، فالشبيه يسعى إلى شبيهه ، وأما تلاميذه فتبعوا المسيح كطلب معلمهم ( متى 14 / 3 - 12 ، ومرقس 6 / 26 - 29 ، ولوقا 3 / 19 - 20 ) ، فإن كان يوحنا قد مات جسدا فما ماتت تعاليمه وظلت حيّة ، وظلت فرقته « المتطهرون » باقية أبدا .
* * *
902 . زمن المسيح زمن استشهاد
كان زمن المسيح عجيبا بكل معاني الكلمة ، ففيه قتل النبىّ زكريا رجما ، قتله اليهود بموافقة مليكهم يوآش ؛ وقتل النبىّ يحيى بالسيف ، أهوى به الجلاد على عنق النبىّ في عهد هيرودس ، وكانوا قد سجنوه في قلعة مخيروس على البحر الميت ، مقيدا بالأغلال والأصفاد ، ولما قتلوه فصلوا الرأس عن الجسد ، وقدّموا الرأس على طبق إلى هيروديا الزانية امرأة هيرودس ، والذين اشتركوا في الجريمة جميعهم من اليهود ؛ وكما قيل - قتل