تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1108

مساهمون:

ص١١٠٨
وانتهت بذلك قصة يوحنا في كتب اليهود ، وكانت قصة عادية نشهد مثلها كثيرا ونسمع بما يشبهها عن دعاة للإصلاح والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وإنما أشهرها ما انتهت إليه حياة يوحنا على يد سالومى وأمها هيروديا ، وما قيل عن جمال سالومى ورقصها الشهوانى البارع وغوايتها الشيطانية ، فكثرت الكتب والمسرحيات والروايات عنها وعن يوحنا ، وأما قصة يوحنا أو يحيى في القرآن فلها شأن آخر ، وتتسامى عن هذا الهذر الذي خالطها بسبب علاقة يوحنا بسالومى وأمها . وقصة القرآن تحفل بالبلاغة والبيان وفنون القصّ ، وفيها الموعظة والحكمة . ويقول القرآن : إن زكريا لمّا كفل مريم وعاين كراماتها ، دعا ربّه أن يكون له ولد يرث عنه المال ، ويرث عن آل يعقوب الحكمة والنبوة ( مريم 7 ) ، ونفهم إذن أن يحيى من نسل يعقوب ، ودعا له زكريا فقال :
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
( 6 ) ( مريم ) ، فنادته الملائكة في المحراب :
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ( 10 ) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
( 11 ) ( مريم ) ، والرضىّ هو المرضىّ والراضي بقضاء اللّه فيه ، وتعنى البشارة بيحيى أن دعاء زكريا استجيب له ، وهذه كرامة لزكريا ، وأنه أعطى الولد ليكون له قوة كما تمنّى ، وأنه أفرد باسم يحيى أو يوحنا ، لم يتسمّ به أحد من قبله ، وفي ذلك دليل على أن الأسامى السّنع - أي الجميلة أو الفريدة - جديرة بالأثرة ، أي يستأثر بها الصفوة من النابهين من أهل اللّه . ولمّا بشّر زكريا تعجّب أن يكون له الولد وهو قد تجاوز أن يولد له ، وظلت امرأته عاقرا طوال حياتها ، ولكنه كان مؤمنا ويعرف أن من خلقه ولم يكن شيئا قادر على أن يؤتيه سؤله ، وظل متشككا مع ذلك أن تكون البشارة مجرد رؤيا ، أو أن تكون تهيؤات وهلاوس يوحيها الشيطان ، فطلب آية ، فكانت آيته أن لا يكلم الناس :
ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
( 10 ) ( مريم ) ، وفي الرواية الثانية ألّا يكلم الناس :
ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ
( 41 ) ( آل عمران ) ، بمعنى الصيام عن الكلام مع الناس إلا بالإشارة ، وكان هذا النوع من الصيام معروفا ، فإذا صاموا كانوا لا يتكلمون إلا رمزا . والآية لا تتعارض والحديث النبوي الذي يقول : « لا صمت يوما إلى الليل » ، يعنى لا صمت عن الذكر ، وفي آية زكريا أن يسبّح بكرة وعشيا ، والتسبيح والذكر يكون مع النّفس ، وأما الكلام فيوجّه إلى الغير ، فلما عمل زكريا بما أمره ربّه كانت مثوبته كما قال تعالى :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا