خاشِعِينَ
( 90 ) ( الأنبياء ) ، فكأن يحيى كان هبة اللّه لزكريا ، ومكافأته تعالى على تقواه ؛ وإصلاحه لزوجه بأن جعلها تتهيأ للحمل ، وتقوى عليه وعلى الولادة ثم الرضاعة ، وهي مدة ثلاثين شهرا ؛ وقوله يسارعون في الخيرات إشارة إلى زكريا وزوجته ومعهما يحيى ، فكانوا جميعا محبّين للخيرات ، وفاعلين لها ، ويتّقون ربّهم ويدعونه لا ينسونه أبدا ، لا في السرّاء ولا في الضرّاء ، فمرة يدعونه شكرا ومحبة ، ومرة دعاؤهم له خشوعا وخوفا .
واسم « يحيى » كان هبة من اللّه أوحى به إلى زكريا ، والاسم يلخص حياة صاحبه ، ويحيى كان بالنسبة للدعوة حياة ثانية تتدفق بالحيوية ، وتحقّق به دعاء أبيه لربّه :
هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ
( 38 ) ( آل عمران ) ، أي نسلا صالحا ، والذرية تكون واحدة ، وتكون جمعا ، وتكون ذكرا وأنثى ، وما كان زكريا يعنى إلا ولدا واحدا ، يدل على ذلك قوله :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
( 5 ) ( مريم ) ولم يقل أولياء ، ولم يكن تأنيثه ل « طيّبة » إلا لأن لفظة ذرية مؤنثة ، فلمّا دعا مخلصا استجيب له :
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
( 39 ) ( آل عمران ) ، يعنى جاءته البشرى فور الدعاء في المحراب وهو يصلى ، أنه يولد له يحيى ، قيل سمّاه اللّه لأنه أراد له أن يحيا للإيمان والنبوة ، وأن يهب نفسه لهما ، ويكرّس حياته من أجلهما ؛ وقيل سمّاه اللّه تعالى يحيى من اسمه تعالى « حىّ » ، وتصديقه بكلمة من اللّه ، قال النصارى : إنه تصديقه لعيسى ، لأن عيسى هو كلمة اللّه ؛ وقيل : هو تصديقه لكتب اللّه تجمع في كلمة ، تقول استمعنا إلى كلمة وتعنى إلى خطبة ، فاختصر الكثير في القليل ؛ وفي الأناجيل أن يوحنا كان أول من آمن بعيسى وصدّقه ، لأن عيسى كان الأعلى منزلة عند ربّه ، وكان أبلغ منه وأفصح ، وشخصيته أقوى ، والأنبياء يتفاوتون في الأفضلية ، ومع ذلك فقد كان يحيى سيدا ، يعنى كان له حضوره ، ويذكر عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال في الحسن : « إن ابني هذا سيد ، ولعل اللّه يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » ، ويحيى كان سيدا ولا أسود ممن سوّده اللّه تعالى ، وسيادته ليست سيادة دنيا أو جاه ، ولكنها سيادة عبادة وتقى وزهد ، ولذا كان حصورا ، أي يعاف النساء ولا يحتاجهن ، وآثر صحبة اللّه على صحبة النساء ، ومن الصحابة زمن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم من حاول أن يكون على طريقة يحيى ، كعثمان بن مظعون ، وشكت زوجته إلى عائشة أنه يتمنّى لو يكون حصورا ، وأن يفرغ خصيتيه ، والحصور هو من يحبس نفسه عن النساء مع أنه قادر عليهن ، وغايته أن يمتنع عن الشهوات . والحصور بخلاف العنّين الذين يعجز عن إتيان النساء لعيب خلقي فيه ، والعنّة النفسية أن يكون عجزه لأسباب نفسية ، فأما الحصور فإنه الحابس نفسه عن معاصي