تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
عليه انصرفوا إلى أشياء أخرى تشغل عن هذه المعاني وإحالاتها على الواقع ، كاهتمامهم بمباحث الإعراب أو غيره ، مما يحجب مضمون ومقاصد القرآن الحقيقية . وانتقد الشيخ رشيد انغماس الصحابة في الإخبار عن القصص مما توحى به مجريات الآيات ، وهو ما كان يرويه أمثال كعب الأحبار ، ووهب بن منبه ، وجمع منها السيوطي في كتابه « الدّر المنثور » ست صفحات من القطع الكبير ، ليس منها شئ تصحّ عليه التسمية أنه من الدّر . فمثلا ذكر في تفسير الآية :
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
( 160 ) ( الأعراف ) : أن كتب التفسير تروى أن موسى كان يحتفظ معه بحجر كان يضرب به الأرض فتنفجر العيون ، فقال رشيد : إن ذلك كان من الخرافات التي اختلقها وهب ، وليس لها أصل عند المسلمين ولا عند اليهود . وقال في تفسير الآية :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
( 124 ) ( البقرة ) : أن المفسرين لم يألوا في تفسير هذه الكلمات التي أتمها إبراهيم والخبط في تعيينها ، وقال ابن عباس : إنها ثلاثون خصلة من خصال الإسلام ؛ وقال آخرون : إنها مناسك الحج ؛ وقال آخرون : هي خصال الفطرة العشر ؛ وقال رشيد : إن الأولى الأخذ بما أخبر اللّه كما هو ، ولا ينبغي تعيين المراد . ومنهج الشيخ رشيد في التفسير عقلانى ، حتى أنه لينكر الإسرائيليات ، والكثير من القصص ، كقصص الجسّاسة ، والدجّال ، ونزول عيسى ، وأحاديث الفتن ، وأشراط الساعة . ولجأ في تفسير الآيات المتعلّقة بالبقرة ، مثل :
فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
( 73 ) ( البقرة ) إلى المجاز ، فقال : إن الإحياء معناه يحييها بالشريعة ، كقوله تعالى :
وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
( 32 ) ( المائدة ) ، وقوله :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
( 179 ) ( البقرة ) ، فالإحياء هنا ليس إحياء حقيقيا بعد موت تسلب فيه الروح ، ولكنه إحياء حكمي ، بمعنى الاستبقاء ، ولذلك قال بعد ذلك :
وَيُرِيكُمْ آياتِهِ
( 73 ) ( البقرة ) ، يعنى بما يفصل بها في الخصومات ، ويزيل أسباب الفتن والعداوات ، كما في الآية :
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
( 105 ) ( النساء ) ، فالغرض إذن من قصة كقصة البقرة : هو ضرب المثل الحسّى للإحياء المعنوي بالشريعة ، وقصص القرآن على ذلك إنما لتقريب المعاني وتصويرها تصويرا يقرّبها إلى الأفهام . * * *

135 . القشيري والتفسير الصوفي للقرآن

يعدّ كتاب « لطائف الإشارات » من أروع الكتب في التفسير الصوفي للقرآن ، وصاحبه عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة ، ولقبه زين الإسلام ، وشهرته القشيري ، المولود