سنة 346 ه ، والمتوفى سنة 465 ه ، ونسبه إلى قبيله قشير العدنانية المتصلة بهوازن ، وعاش في نيسابور من فارس . والتفسير الصوفي سبق إليه سهل بن عبد اللّه التستري ، المتوفى سنة 283 ه ، وكتابه هو « تفسير القرآن العظيم » فيما لا يزيد على مائتي صفحة ، وأبو عبد الرحمن السلمى ، المتوفى سنة 412 ه ، وكتابه هو « حقائق التفسير » يقول في دوافعه إلى تأليفه : لمّا رأيت المتوسمين بعلوم الظاهر قد سبقوا في أنواع فرائد القرآن من قراءات وتفاسير ، ومشكلات وأحكام ، وإعراب ولغة ، ومجمل ومفصل ، وناسخ ومنسوخ ، ولم يشتغل أحد منهم بفهم الخطاب على لسان الحقيقة إلا آيات متفرّقات ، أحببت أن أجمع حروفا استحسنها من ذلك ، وأضم أقوال مشايخ أهل الحقيقة إلى ذلك ، وأرتّبه على السور حسب وسعى وطاقتى . واتّهم أهل التفسير « السلمى » بالزيغ والابتداع والتحريف ، وبالقرمطة ، والتشيع ، والتأويلات الباطنية ، ووصفه ابن تيمية بالكذب ، وعدّه السيوطي من أهل البدع . ثم كان كتاب « عرائس البيان في حقائق القرآن » لروزبهان البقلى المتوفى سنة 606 ه ، وكتاب « التأويلات النجمية » لنجم الدين داية ، المتوفى سنة 736 ه ، أبرز كتابين في التفسير الصوفي . وأما كتاب لطائف الإشارات للقشيرى ، فهو الأفضل في بابه ، من حيث التوفيق بين علوم الحقيقة وعلوم الشريعة ، وباعتبار المصطلح الصوفي الذي أفلح القشيري في ردّه إلى أصوله القرآنية ، فلا تملك إلا أن تحكم بأن علوم الصوفية هي علوم مستقاة من القرآن ، وأما ما يكون من الآيات خاليا من المصطلح فإنه يعمد إلى أن يستخرج منه إشارات في الصحبة الصوفية ، والصاحب ، والشيخ والمريد ، والرياضات والمجاهدات والمواصلات ، والكشوفات .
ورغم أن القشيري اشتهر بالرسالة ، إلا أن كتابه في التفسير الصوفي للقرآن قمة من القمم . وقيل في تسمية الكتاب : إنه « لطائف الإشارات في حقائق العبارات » ، ومنهجه فيه يعتمد على استبطان خفايا الألفاظ ، والكشف عن معانيها المجردة ، ولطائف أسرارها ، وخفىّ رموزها ، تصعيدا من القلب ، إلى الروح ، إلى السّر ، ثم إلى سرّ السرّ ، أو عين السرّ ، متقيدا مع ذلك بالعلوم العقلية والنقلية ، والحرص على النصّ القرآني ، مستخرجا الإشارات الثمينة مما في الآيات من الأحكام والعبارات ، وأسباب النزول ، والأخبار والقصص . والعبارات في الآيات للعموم ، والرموز والإشارات للخصوص ، فمثلا استقبال القبلة إشارة إلى أن تكون القبلة مقصود النفس ، واللّه تعالى مقصود ومشهود القلب ، فلا يتعلق القلب بالأحجار والآثار ، وإنما يتفرّد للّه . وأيضا فإن الحج على لسان العلم هو القيام بأركانه وسننه وهيئته ، ولكنه على لسان أهل الإشارة هو القصد ، فقصد إلى بيت الحق ، وقصد إلى الحق ، والأول حجّ العوام ، والثاني حجّ الخواص وهكذا .
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 110
مساهمون: عبد المنعم الحفني
ص١١٠