وناشدت قومها الفتوى ، وأكدت أنها لا تقطع بأمر دون مشورتهم ، وأفتوها بأنهم أولو قوة وبأس ، وأن الأمر إليها فلتنظر ما ترى ، فذكرت عبارتها المشهورة :
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً
( النمل 34 ) ، وأمّن على ذلك قومها وقالوا :
وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ
( النمل 34 ) ، أو أن هذا كلام اللّه تصديقا لما قالت ، وكأنها كانت تنطق عن وحى . ورأت أن تحتال للأمر وتسبر أغوار سليمان ، بأن ترسل له هدية ، ولا بد أن الهدية مما يناسب المهدى والمهدى إليه ، وأنها كانت شيئا عظيما جدا ، فإن قبل الهدية فهو مجرد ملك عادى به الضعف الإنسانى أن يرشوه الناس ، وإن لم يقبلها وردّها فهو نبىّ حقيقة ، وفي الحالتين بوسع الملكة أن تحدّد كيف تتعامل معه . وما كان يمكن أن يقبل سليمان هديتها وهي تتوخى بها الظهور عليه ، وإلا فالنبىّ صلى اللّه عليه وسلم كان يقبل الهدية ولكنه يثيب عليها ، أي يهدى مثلها ، وفي الحديث الموضوع قيل على لسانه صلى اللّه عليه وسلم : « نهيت عن زبد المشركين » ، ويناقضه قبوله صلى اللّه عليه وسلم هدية مقوقس مصر ، ولولا أن سليمان رأى في الهدية صرفا عن الموضوع الأصلي وهو كفر بلقيس وقومها ، لقبلها ، والهدية مندوب إليها ، وتورث المودة ، وتذهب العداوة ، وفي الحديث الصحيح : « وتهادوا تحابوا » ، وروى أيضا : « تهادوا فإنه يضعّف الود ويذهب بغوائل الصدر » ، وفي رواية أخرى : « تهادوا بينكم فإن الهدية تذهب السّخيمة » ، والسخيمة هي الغل . وكان رفض سليمان للهدية باتا ، واستغنى عنها بما وهبه اللّه وفضّله ، وأنذر بلقيس ، واستعدى الجن أن يأتوه بعرشها هذا العظيم نكاية فيها ، وقبل أن تأتيه وقومها مسلمين ، لأنها لو أسلمت لحظر عليه مالها فلا يؤتى به إلا بإذنها . ولم يتقيّض له أن يأتي به إلا إنسان ليس من الجن كان عنده علم بالكتاب ، أي كان صدّيقا يحفظ اسم اللّه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى . وقوله :
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
( النمل 40 ) صار مثلا يقال لتحقيق المعجزات . وتحقيق الأمنية لسليمان استوجب منه الشكر للّه ، واعتبره ابتلاء منه تعالى ، لينظر أيشكره سليمان أم يكفر ويبطر ويتكبّر ويستعلى ، وزاد سليمان فقال هذه الحكمة :
وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
( 40 ) ( النمل ) . وسأل الجن أن يغيّروا لها العرش ، فلما جاءت اشتبه عليها ، وعرفت أن ما قيل في سليمان أن الجن مسخّر له صحيح ، فقالت :
وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ
( النمل 42 ) يعنى كانت تعلم صحة نبوته قبل هذه الآية في العرش ، فجاءت راضخة . وما كان يصدّها عن عبادة اللّه إلا عبادتها للشمس من قبل ، فلمّا دخلت القصر الممرّد - أي المرتفع كالمارد ، المبنى من القوارير ، أي الآنية ، وظنت أرضيته المصنوعة من الزجاج ماء ، رفعت ثوبها ، فانكشف ساقاها ، وفي ذلك كلام كثير من الأدب الشعبي ، وبهرها ما رأت فزاد إيمانها بسليمان ، وبربّ سليمان الذي أمكنه من كل ذلك ، وتحسّرت