تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1066

مساهمون:

ص١٠٦٦
لسليمان ، تختلف عما في القرآن تماما ، وصورته في القرآن تنزّهه عن هذا الخلط ، وترفعه مكانا عليا ، وتجعله إماما في التوحيد ، وتقدّم قصته مع ملكة سبأ كنوع من الجهاد وكداعية إلى اللّه . والهدهد في القصة ، بمثابة جهاز الاستخبارات للملك ، ويقدّم صورة دقيقة لأحوال مملكة سبأ التي تحكمها هذه الملكة ، وكان من غير المألوف أن يكون الحكام من النساء ، وما كان سليمان يعرف مكانها ولا حقيقة أمرها ، وعرفها الهدهد ، فالحال في المعرفة للمطّلع وليس للأعلى مكانة ، واللّه يأمر بالسير في الأرض لنعرف ، والهدهد ترك فلسطين إلى اليمن وهو من الطيور المهاجرة ، ومن أجل ذلك عرف ، وأحاط بما لم يحط به سليمان ، وهذا دليل على أن الأنبياء لا يعلمون الغيب ، والهدهد وصف ما جاء به من معلومات بأنها نبأ يقين ، لأنه عن معاينة ورآه رأى العين . وربما يتمشّى قوله :
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ
( النمل 23 ) ، ومع تأكيد التوراة أن سليمان كان به ميل للنساء ، وحول علاقته ببلقيس نسجت أساطير وحكايات تزوّجه منها ، أو من آخرين ، وقيل عاشت معه في الشام ، أو أنه ردّها إلى اليمن ، وهذه الصورة الشعبية لها تتنافى مع كل الحكمة التي صورها بها القرآن ، ونسب المبتدعة إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة » ، وعلى عكس هذا الحديث كان فلاح قوم بلقيس بولايتها لهم ، ثم إن المرأة في الإسلام اشتغلت بالقضاء ، وكانت لعائشة مدرسة في الفقه تخرّج عليها ما يزيد على الثلاثمائة من المحدّثين والرواة والدعاة ، وشاركت النساء في المجهود الحربي ، ومارسن الطب ، فلما ذا لا تشتغل المرأة بالحكم ؟ والدليل أن المرأة يجوز أن تحكم ، أن الغرض من الأحكام تنفيذ القاضي لها ، وسماع البيّنة عليها ، والفصل بين الخصوم فيها ، وذلك ممكن للمرأة كإمكانه للرجل . ودليلنا نجاح بلقيس كملكة ، حتى قال الهدهد فيها مبالغا :
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
( 23 ) ( النمل ) ، أي وأوتيت كل شئ مما تحتاجه كملكة ، وكان عرشها ، أي ملكها ، عظيما . فإذا كان الهدهد قد وصف عرشها بالعظمة كوصف عرش اللّه بالعظمة ، فإن عظمة عرشها كان بالمقارنة بعظمة مثيله من عروش الملوك ، وأما عرش اللّه فإنه عظيم بالنسبة لما خلق من السماوات والأرض ، وكلّ له عظمته في مجاله . والشيطان قد زيّن لهم أعمالهم ، وأن يسجدوا للشمس ، وكان الأولى بهم أن يسجدوا للّه ولكنهم لم يهتدوا إليه ، وإنها لسخرية أية سخرية أن يعلم الهدهد عن اللّه ويوحّده ولا يعلم عنه هؤلاء ، وربما كان علم الهدهد به تعالى بفضل سليمان ، فقد كان سليمان نبيا ورسولا إلى جماعات الطير والجن والإنس في زمنه . ولم نعرف لغة كتاب سليمان إلى بلقيس ، وفهمته رغم إيجازه وقدّرت ما فيه ، وكانت عند مستوى المسؤولية ،