كنت ذا قوة وعزم . . وتسفك دمك وإن كنت ذا حلفة وعسكر ضخم . . تنقض العزائم وهي منقوضة . . وتعجز القوى وهي بعوضة ، ليرينا اللّه عجائب قدرته وضعفنا عن أضعف خليقته .
وفي نفي الاستحياء استنكار للاستهانة وبيان للأهمية والخطورة ، وإعلام مؤكد بعناية اللّه والتمكين بقدرات تتحدى المخاطبين ، وعلى وجه أن لفظ « بعوضة » بدل من « مثلا » وهو الأرجح ، أي : « مثلا الذي هو بعوضة فما فوقها » فإنه يزيد اختصاصها وما يفوقها ضآلة بنفي الاستحياء ، ويصير المعنى أن اللّه تعالى يستنكر الاستهانة بها ، بل ويتخذها مثلا من بين الكائنات الضارة المماثلة لها في الخطر ، فيسري الاختصاص بالضّرر على ما يشير إليه حرف « ما » الثاني مما هو دونها فضلا عما يشمله حرف « ما » الأول مما يكبرها ، وبهذا التحديد يختص النبأ ببيان خطر البعوضة ، ويشمل الأحياء مجهولة الضرر عند التنزيل مما يناظرها أو يكبرها أو يفوقها ضآلة .
والفوقية من حيث اللغة العلو والزيادة في صفة يبينها السياق سيقت من أجلها المقارنة ، وفي قوله تعالى :
بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
الزيادة في المعنى الذي وقع التمثيل فيه هو الصغر والحقارة ، فهو تنزل من الحقير للأحقر . . خاصة أنّ الفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يشير إليه ما قبلها ، « أي : فما فوقها في الصغر » لأنّ الغرض المقصود هو الصغر ، ولفظ « فوق » يستعمل في معنى التغلب والزيادة في صفة . . ولذلك كان لاختياره في هذه الآية دون لفظ « أقل » ودون لفظ « أقوى » ( مثلا ) موقع من بليغ الإعجاز ، والفاء عاطفة ما فوقها على بعوضة أفادت تشريكهما في ضرب المثل بهما . . مع بيان التدرج في الرتب . . قال الرازي : « أراد بما فوقها في الصغر ، أي بما هو أصغر منها ، والمحققون مالوا إلى هذا القول لأن الغرض هاهنا بيان أن اللّه تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير ، وفي مثل هذا الموضع يجب أن يكون المذكور ثانيا أشد حقارة من الأول . . والشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب ، فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به إلّا علم اللّه تعالى ، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير .
وإذا قيل هذا فوق ذلك في الصغر وجب أن يكون أكثر صغرا منه ، وعذر من حمل الفوقية على الكبر خارقا لوحدة الإطار الذي ضربت فيه البعوضة وما فوقها مثلا ، عدم العلم بما