بهديه والمنكّبين عن صراطه ، وبيان إعجازه والتحدي به ، ووجه ربطها بما تقدم إقامة الحجة على حقيقة إعجاز القرآن ، خاصة أن الضمير في
أَنَّهُ الْحَقُّ
يرجع ابتداء إلى المثل ، ويصدق إرجاعه للقرآن لأنّ الحق هو المطابق للواقع وهذه صفته ، لقوله تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ فصلت : 53 ] .
والبعوضة على ضآلتها التي جعلت النّاس يستهينون بها قبل اكتشاف خطرها ، قد أمدّها اللّه تعالى بمواهب ، بحيث لا تغالب ولا يمتنع منها أحد حتى لو كان أعظم الجبابرة ، وفي قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
قال قتادة : « أي إنّ اللّه لا يستحي من الحق ، أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحي أن يتمثل بها » وقال أبو إسحاق في قوله :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا
[ يس : 13 ] : أي اذكر لهم .
وعبارة الجوهري في :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
[ التحريم : 10 ] . أي وصف وبيّن ، وفي شرح « نظم الفصيح » : ضرب المثل إيراده ليمثل به ويتصور ما أراد المتكلم بيانه للمخاطب . .
ومعنى الآية : أنه تعالى لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا ولو كان في الصغر كالبعوضة ، فما استنكره السفهاء وأهل العناد والمراء واستغربوه ليس بموضع للاستنكار والاستغراب ، قال أبو حيان : « . . قد أوجدها على الغاية القصوى من الإحكام وحسن التأليف والنظام ، وأظهر فيها مع صغر حجمها من بدائع الحكمة ، كمثل ما أظهره في الفيل الذي هو في غاية الكبر وعظم الخلقة . . وفي البعوضة مع صغر حجمها وضعف بنيانها من حسن التأليف ودقيق الصنع ما يعجز أن يحاط بوصفه ، وهي مع ذلك تبضع بشوكة خرطومها مع لينها جلد الجاموس والفيل ، وتهتدي إلى البشرة بغير دليل ، وهذا ليس في وسع أحد من البشر .
وقال الخازن : « والبعوض في غاية الصغر وله خرطوم مجوف وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل والجاموس والجمل فيبلغ منه الغاية حتى إنّ الجمل يموت من قرصه » . وفي هذا المعنى قالوا : « البعوضة تؤذي الملوك فوق الأسرة » . .
تحقرها عين من رآها تمشي إلى الملك . . تؤذي الملوك فوق الأسرة » . .
تحقرها عين من رآها تمشي إلى الملك . . تؤذيه بإقبالها . . فتعجز كفّه وترغم أنفه وتضرج خده . . وتفري جلده . . زجرتها تسليمها . . ورمحها خرطومها . . تذلل صعبك ، وإن