تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
جل جلاله يحب المتوكلين على حوله وقوته ، مع العمل في الأسباب بسننه ، ومن أحبه اللّه عصمه من الاغترار باستعداده ، والركون إلى عدته وعتاده ، والبطر الذي يصرفه عن النظر فيما يعرض له بعد ذلك حتى لا يقدره قدره ، ولا يحكم فيه أمره ، فبدلا من أن يكون نظره في الأمور بعين العجب والغرور ، واستماعه لأنبائها بأذن الغفلة والازدراء ، ومباشرته لها بيد التهاون ، يلقي السمع وهو شهيد ، وينظر بعين العبرة فبصره حينئذ حديد ، ويبطش بيد الحق فبطشه قوي شديد ، ذلك بأنه يسمع ويبصر ويعمل للحق لا للباطل الذي يزينه الهوى ويدلي به الغرور ، فيكون مصداقا للحديث القدسي : « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها » . والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يرشدنا إلى ما في التوكل من ايجابية ونزعة عملية حين يقول : « لو أنكم تتوكلون على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا » . فقد أعطانا في هذا الحديث صورة حية لحركة الطيور التي تترك أعشاشها عند الصباح ، وتخرج باحثة عن الطعام والقوت ، وهي خالية البطون ، وما تزال هكذا في سعيها وحركتها ، حتى تعود آخر النهار وهي ممتلئة البطون . وهذا أحد الصحابة يسأل رسول الله عليه الصلاة والسّلام قائلا : يا رسول اللّه ، ناقتي أتركها وأتوكل ؟ فأجابه : « اعقلها وتوكل » وفي هذا توجيه للأبصار والبصائر إلى الاحتياط والحذر وبذل الطاقة والمجهود . ولو راجعنا سير الأنبياء والمرسلين - عن طريق القرآن الكريم - لوجدنا فضيلة التوكل كالقسط المشترك بين هؤلاء الأكرمين ، فإبراهيم عليه السّلام هو القائل كما حكت سورة الممتحنة :
« رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ »
. وروت السيرة أن إبراهيم قال عند القاء