على شيء من علوم الجنين والوراثة والحياة والنفس والاجتماع ، وبعد أن تأمّلت في طباع الكثيرين من الناس بحكم المهنة ، فوجدت أن الحديث القدسي الآتي يختصر تاريخ أكثرهم من الوجهة البيولوجية والنفسية والاجتماعية والسلوكية والإيمانية :
أخرج الإمام أحمد في مسنده ، وروى ابن ماجة في سننه : أن رسول الله عليه الصلاة والسلام بصق يوما في كفّه فوضع عليها إصبعه ثم قال : « يقول الله عزّ وجل : ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه ، حتى إذا سوّيتك وعدلتك ، مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد ، فجمعت ومنعت ، حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدّق ، وأنّى أوان الصدقة ؟ » .
الوقفة السابعة الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
التعديل في خلق الإنسان
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
( الأحزاب 72 ) .
قبل الإنسان الأمانة ، أي السيادة على بقيّة المخلوقات منذ أن عرض المولى هذه الأمانة السيادة على السماوات والأرض والجبال وهي لا تزال في عالم الغيب . فأشفقت السماوات والأرض والجبال من حملها وقبل الإنسان حملها .
لذلك عدّل المولى في خلقه ، فجعله بواسطة هذا التعديل سيّدا على بقيّة المخلوقات المسخّرة له بأمر من خالقها :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
( الجاثية 13 ) . وسواء قرئت كلمة « عدلك » مشدّدة أو غير مشدّدة في قوله تعالى
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
( عبس 18 ) فمعناها - والله أعلم - أن المولى جعل الإنسان عدلا يستنبط الأشياء ويزنها بميزان عدل بواسطة دماغه الذي عدّل المولى في تكوينه ، فزاد فيه ما أسماه علماء التشريح بالدماغ