وعلمت فوق ذلك ، تلك الخلايا العاقلة المدركة ، أن للهواء ضغطا خارجيّا عنيفا طاغيا يؤذي غشاء الطبلة ، إن لم يقابل من داخل الأذن الوسطى بهواء يعادله ويقاومه ، ويحفظ الموازنة في ضغط الهواء وحرارته - كما تعلم ذلك من نفسك إذا حصل لك زفير أو شهيق غائر طويل ، وكان الأنف والفم مسدودين ، فيتوتّر الغشاء الطبلي ، ويتحدّب نحو الخارج عند الزفير ، ونحو الباطن عند الشهيق فيتشوّش السمع - فخلقت بوق « أوستاكيوس » ، وأدخلت منه الهواء إلى الأذن الوسطى ، وجعلت من هذا البوق في الوقت نفسه موضحا للأصوات كما توضح ثقوب الآلة الموسيقيّة أصواتها ، وجعلته منفذا للمخاط الذي يفرز من باطن الطبلة . أليست عاقلة مدركة حكيمة عليمة قديرة ، يا حيران ، تلك الخلايا ، حتى استطاعت أن تعرف كلّ هذه الأسرار والطبائع والنواميس التي عرفها العلماء اليوم ، بعد أن مضى على خلق الإنسان حين من الدهر ، فخلقت جهاز الأذن المعقّد على مقتضى هذه الاسرار ؟ وتبّا للغافلين الذين
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
( الأعراف 179 ) .
2 - البصر وآلته أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ
1 - العين
هذه الكرة الأعجوبة من بدء التكوين إلى نهاية التخلّق هي من أروع آلات التصوير ، وأصغرها وأعقدها ، وأدقّها تركيبا وعملا وصيانة . ففي طبقة واحدة من طبقات شبكة العين يوجد خمسمائة مليون خليّة بصريّة تسمّى العصيّات والمخاريط ( 150 مليون خليّة بصريّة من نوع العصيّات في السنتيمتر المربّع ، و 8 ملايين خليّة بصريّة من نوع المخاريط في السنتيمتر المربّع ) .
ووظيفتها نقل مختلف الألوان التي يتكوّن منها طيف الضوء ، ثم تحويلها إلى سيّالة عصبيّة ينقلها عصب البصر المؤلّف من نصف مليون ليف عصبي تقريبا