إذا كنت لا تؤمن بالمصادفة ، فاسأل خلايا المضغة التي صنعت الأذن .
فإنها ، على ما يظهر ، عاقلة ومدركة وحكيمة وعالمة بطبائع الأشياء وخواصّها والنواميس وأسرارها « 1 » .
إن الأصوات تأتي إلينا بتموّجات الهواء ، وإن هذه التموّجات منها الشديد الحادّ القاسي ، ومنها الضعيف الواهن الليّن ، ومنها ما يقع عموديّا ، ومنها ما يأتي جانبيّا . فخلقت صيوان الأذن ، وجعلته غضروفيّا بين العظم واللّحم .
وجعلت فيه طيّات وليّات ليتلقّى أمواج الصوت ، ويعكسها من طيّة إلى ليّة ، ويوصلها إلى الصماخ . . .
وعلمت أن الرياح التي تحمل الصوت قد تكون عنيفة هو جاء ، وقد نحمل معها المؤذيات من غبار وتراب وحشرات فجعلت الصماخ معوجّا متقوّسا نحو الأعلى ، وجعلت في فمه سياجا من الشّعر ، وفي باطنه دبقا أصفر شمعيّا ، ليتّقي بعوجه صدمة الرياح ، وبسياجه ودبقه المؤذيات ، فلا تصل إلى غشاء الطبلة الرقيق الواهن .
إن بعض الأصوات تكون وجسا أو همسا ، فجعلت من الصماخ بشكله الكهفي المملوء لتقوية الصوت ومضاعفته ( بالتصدية ) على النحو الذي نسمعه في الحمّامات والكهوف من ضجّة الصوت الضعيف برجع الصدى .
وعلمت أن الغشاء المتوتّر كالطبل هو أفضل الأجسام الصلبة في إيصال الصوت ، فخلقت غشاء الطبلة ، وغشاء الكوّة البيضيّة ، والأغشية الأخرى في الأذن الداخليّة .
وعلمت أنه إذا تثبّت جسم صلب صغير في طرف غشاء مشدود متوتّر ،
هامش
( 1 ) لا يخفى ما في هذا الأسلوب من تهكّم وسخرية على من ينسب روعة الخلق إلى المصادفة . فكأن الكاتب يجاريه في منطقه إظهارا لسخفه واستمالته .