الغلبة عليه .
ومثل هذه المجادلة لا تنبثق عن الرحمة والشفقة ، فإنّ من يتّبع هذا الأسلوب إنّما ينظر إلى خصمه كعدوّ ، ويرى نفسه في الحرب معه ، فهو يطلب النصر بأيّ ثمن ، ولا ينظر إليه كصديق حميم يرجو فوزه وسعادته ، والقرآن لا يسمح بهذا النحو من الجدال ، ومحمّد صلّى اللّه عليه وآله لم يكن ليجادل به .
إنّ هذا الجدال لا يعدّ قسما من التوجيه والإرشاد ، فلا يتحقّق به الهداية ووصول الخصم إلى الحقّ ، ومن هو رحمة للعالمين أجلّ وأشرف من أن ينحو نحوه ويحذو حذوه .
ولا يباح في الجدال بالتي هي أحسن إنكار الحقّ ، ولو كان المنظور إثبات الحقّ به ، بل الواجب فيه الاعتراف بالحقّ والإقرار به ، وإنكار الباطل وعدم الخضوع له .
كما أنّ الواجب فيه أن يركّز المجادل حججه وبراهينه على قواعد مسلّمة عند العقل والنقل معا .
ومثل هذا المجادل رؤوف بخصمه ، حريص على إرشاده ، يسعى لإنقاذه من ضلالته ، ويبذل جهده لإحياء صفة الإنصاف فيه ، ويقدّم إليه الفكر الصحيح ، ليطلب به الحقّ ويبحث عنه .
وقد ذكر الجدال في الدين عند الإمام أبي عبد اللّه جعفر الصادق ، سادس الأئمّة الاثني عشر عليهم السّلام ، وذكر : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قد نهى عنه ، فقال عليه السّلام : لم ينه عنه مطلقا ، ولكنّه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن ، إنّ اللّه يقول :
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . .
« 1 » والجدال بغير التي هي أحسن محرّم ، وحرّمه اللّه على شيعتنا ، وكيف يحرّم اللّه الجدال جملة ؟ وهو يقول :
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
. « 2 »
هامش
( 1 ) . العنكبوت ( 29 ) الآية 46 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) الآية 111 .