وسقيما . وإنّ هؤلاء ليسوا من الّذين إذا وجدوا الدعوة تطابق أهواءهم خضعوا لها ، وإن كانت تخالفها تركوها ، فإنّ كثيرا من الناس خضعوا لمبادئ باطلة من أجل أنّها تجعلهم أحرارا في تنفيذ شهواتهم .
كما أنّ هناك قوما اعتنقوا طروحات لكونها تدعو إلى الانتقام عمّن أساء إليهم ، فهم ليسوا من هؤلاء ؛ لأنّهم الأماثل بحسب رقيّ الفكر وعلوّ الهمّة . وإنّهم طبقتان :
الطبقة العليا ، وهم الذين يعيشون في المستوى الإنسانيّ الأعلى ، فهم يدركون الحقيقة ، ويصلون إلى واقع الأمر بأدنى تفكّر وتأمّل ، وإنّهم لقليلون من الناس ، ودعوة هؤلاء تكون بالحكمة .
والطبقة الثانية ، وهم المتأخّرون عن أولئك ، والذين لا يعيشون في ذلك المستوى النفسيّ والفكريّ الرفيع ، ولكنّهم منصفون ، ينقادون للحقّ إذا عرفوه ، ويخضعون له إذا وجدوه ، ويرونه لأنفسهم هدفا ، وهم الأكثرون في هذه الطبقة ، ودعوتهم إنّما تكون بالموعظة الحسنة . إنّهم ينقادون للحقّ لأنّه حقّ ، لا لأنّه مذهب آبائهم ، ولا لأنّ الجوّ الذي يعيشون فيه يحبّذه .
الحكمة
قد مرّ بيان معنى الحكمة ، وأنّها معرفة محاسن الأفعال ومفاسد الأمور ، وتمييز الصلاح عن الفساد ، وهي الفضيلة العظمى ، وإنّها لمن المثل العليا . والحكيم هو العارف بالحكمة والمرشد إليها .
والدعوة بالحكمة هي إيقاظ عقل المدعوّ وفكره ، وتوعيته وتعليمه وتثقيفه .
والدعوة بالحكمة هي إرشاد الناس إلى المحاسن وتوجيههم إلى المكارم . والدعوة بالحكمة هي التصريح بما ينفع الناس في حياتهم الفرديّة والاجتماعية ، وبما يضرّهم في الحياتين . والدعوة بالحكمة هي كشف النقاب عن قبائح الأفعال ، ومفاسد الأخلاق ، وسيّئات الآداب .
وإنّ للحكمة درجات ، والحكماء متفاوتون في معارفهم وعلومهم ، وإنّ المبعوث