نداء يعطيهم ما يشتهون ، ويغذّيهم بما فيه يشبعون . ومن الواضح أنّ الدعوة إلى الحقّ دعوة إلى مكافحة الأهواء ، ومجاهدة الأنانية ، وإلى إقامة العدل ، وقلع جذور الظلم .
ودعوة كهذه تكون مضادّة لأهوائهم ، ومناوئة لشهواتهم ، فيبغضونها ويضعون أحجار العثرة في طريقها ، ويسعون في إطفاء نورها بكلّ ما لديهم من قوّة وحول .
ولكنّ الرحمة الإلهيّة لا تدعهم في خوضهم يلعبون ، لأنّها تحب هدايتهم ورشادهم ، وترغب في بيان الحقّ والحقيقة لهم ، فقرّرت مجادلتهم بالتي هي أحسن طريقا لإرشادهم .
ومن هذه الطائفة من يحبّذ البقاء على تراثه إذا وجده موافقا لهواه ، ومشيّدا لعصبيّته وأنانيّته ، فيدعو إلى التقاليد والسنن ، وحفظ التراث الخالد .
ومنهم من يستحسن الجديد ، ويستلذّ الحادث ، لأنّ التقاليد لا تشبعه ، ولا توفّر له ما يريد ، فتدفعه أنانيّته للعتب على السلف ، ويشتاق إلى إبعاد كلّ قديم ، وينادي بأنّ في كلّ جديد لذّة ، ويعتنق كلّ جديد من رأي ، ومعتقد سوى الدعوة إلى الحقّ ، فإنّه يرى أنّها لا تملأ الفراغ الذي يجده ، ولا تعطيه ما يحبّ فينشد ضالّته في غيرها من الجديد والحادث ، وذلك نوع ثان من الأنانية .
والطائفة الثانية : نفوس كريمة كلّها رحمة وصفاء ، ومودّة وإخاء ، لا تحكمها الأنانية ، ولا تسيطر عليها العصبيّة ، وهم محايدون بالنسبة إلى كلّ رأي ومعتقد ، لا يكافحون التقاليد والتراث ، كما لا يحاربون الجديد ، ولا يقبلونه لمجرّد أنّ ذاك قديم وهذا جديد .
إنّهم ينظرون إلى الدعوة نظرة الباحثين ، فإن وجدوها حقّا قبلوها ، وإن وجدوها باطلا رفضوها ، إذ لا قرابة بينهم وبين أيّ رأي ، كما لا خصومة لهم مع أيّ معتقد ، فإذا كان ما ورثوه من التقاليد والمبادئ صحيحا اعتنقوه ، وإن كان سقيما رفضوه . وكذا تكون سيرتهم مع ما يأتيهم من حديث الرأي وجديده ، فيستقبلونه بالإذعان والتسليم إن وجدوه صحيحا ، ولا يسمحون له بالدخول إلى قلوبهم إن رأوه فاسدا
محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 210
مساهمون: السيد رضا الصدر
ص٢١٠