أوصاف المنذر
لا يكون الرّجل منذرا إلّا إذا كان متحلّيا بصفات فضلى منها :
الرحمة
فإنّ الّذي يدفع المنذر إلى إنذار قومه هو رحمته بهم ، وحبّه لإسعادهم ، فالإنذار أمر صعب ، بل في غاية الصعوبة ، يجعل المنذر في أسى وشقاء ، ويحفّ بحياته التعب والعناء ، ويحول بينه وبين جميع ما يشتهي ، ولا يتيح له الحصول على أيّة راحة ، ولولا رحمته في قلبه لقومه لم يكن له دافع إلى تكبّد العناء وتحمّل البلاء .
إنّ الإنذار مرّ ، وعلى المدعوّ للإنذار أشدّ مرارة ، مضادّ لمشتهياته ، وتخطئة لعقله ، وتسفيه لحلمه ، وتحقير لشخصيّته ، ولذا يقابل المنذر بالشدّة والخصومة ، ويشهر عليه سيف العداء .
والرحمة للمحبّ أمر طبيعيّ ، فإنّ الحبّ يقابل بالرحمة ، ولكن قوم المنذر يخرجون بعد الإنذار عن سلك محبّيه وينخرطون في سلك أعدائه ومناوئيه . فما أصعب الرحمة من رجل لقوم ينصبون العداوة له ، ويسعون في خصومته ، ولا يقصّرون في معاندته .
وإذا كان الإنذار مرّا على المقصودين بالإنذار فهو أشدّ مرارة على نفس المنذر ؛ لما يراه منهم في سبيل إنذاره إيّاهم من قسوة وخشونة . كما أنّ الإنذار يجعل المنذر في مقابل ما يكره ، ويقطع الروابط بينه وبين حبيبه ، ويفصّله عن صديقه ، ويقرّب الأباعد ، ويبعّد الأقارب .
فما أعظم رحمة المنذر ، وما أشدّ حبّه لقومه ! فهو كلّما لقي منهم شرّا أهدى إليهم خيرا ! .
والمنذرون هم نبلاء البشريّة ، وعظماء الإنسانيّة ، وهم أفضل الناس في العالم ، وأرحمهم رجالا .