العزائم ، وتضاءل أهل العلم ، وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه ، فنوّعوا علومه ، وقامت كلّ طائفة بفنّ من فنونه ، فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته وتعدادها وإلى أمثال ذلك ، من غير تعرّض لمعانيه ولا تدبّر لما أودع فيه ، واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبني ، والمفسرون بألفاظه ، والاصوليّون بما فيه من الأدلّة ، وتأمّلت طائفة معاني خطابه ، وأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام وسائر الأحكام ، وتلمّحت طائفة ما فيه من قصص وأخبار لأمم خالية ، وتنبّه آخرون لما فيه من حكم وأمثال ومواعظ . . . وإلى أمثال ذلك من إشارات ولطائف ودلالات .
قال : وقد احتوى القرآن على علوم أخرى من علوم الأوائل ، مثل الطبّ والهيأة والهندسة والجبر والمقابلة والنجامة وسائر الحرف والصناعات .
قال : أمّا الطبّ فمداره على حفظ نظام الصحّة واستحكام القوّة ، وذلك إنّما يكون باعتدال المزاج بتفاعل الكيفيّات المتضادّة ، وقد جمع ذلك في آية واحدة ، وهي قوله تعالى :
وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
« 1 » . وعرّفنا فيه بما يعيد نظام الصحّة بعد اختلاله ، وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله في قوله تعالى :
شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
« 2 » . ثم زاد على طبّ الأجسام بطبّ القلوب وشفاء الصدور .
وأمّا الهيأة ففي تضاعيف سوره ، من الآيات التي ذكرت ملكوت السماوات والأرض . وما بثّ في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات .
وأمّا الهندسة ففي قوله :
انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ
« 3 » .
وأمّا الجبر والمقابلة فقد قيل : إنّ أوائل السور فيها ذكر مدد وأعوام وأيّام لتواريخ أمم سالفة ، وإنّ فيها تاريخ بقاء هذه الامّة ، وتاريخ مدّة أيّام الدنيا ، وما مضى وما بقي ، مضروب بعضها في بعض .
هامش
( 1 ) الفرقان : 67 .
( 2 ) النحل : 69 .
( 3 ) المرسلات : 30 .