وبعد ، فإذا ما أضفنا إلى هذه الحقيقة المذهلة ، أنها عرضت على يد رجل امّي لا يكتب ولا يقرأ عن كتاب ولا درس عند أستاذ ، من امّة عربية جاهلة ، وفي بيئة بدوية متوغّلة في البداوة ، في صحراء جرداء قاحلة ، بعيدة عن حضارات الأمم وثقافات العالم بمسافات شاسعة ، فنحن إذا أمام معجزة خارقة للعادة ، لا شكّ فيها ولا ريب ، وإنّما يكابر فيها من استغلق على نفسه مشارع البصيرة ، وعاقب نفسه إذ حجب عنها إشعاع تلك الرحمة التي يشعّها هذا الكتاب الكريم .
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
« 1 » .
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
« 2 » .
وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
« 3 » .
وليعلم أنّنا في هذا العرض إنّما نحاول فهم جانب من الآيات الكونية ، ربّما صعب دركها قبلئذ ، وأمكن الاهتداء إليها في ضوء حقائق علمية راهنة ، جهد المستطاع . وقد نخطئ الصواب ، ويعود العتب علينا بالذات .
إنّنا لا نحاول تطبيق آية قرآنية ذات حقيقة ثابتة على نظرية علمية غير ثابتة وهي قابلة للتعديل والتبديل ، إنّما مبلغ جهدنا الكشف عن حقائق وأسرار كونية انطوت عليها لفيف من آيات الذكر الحكيم ، كشفا في ضوء العلم الثابت يقينا حسبما وصلت إليه البشرية قطعيّا ، ممّا لا يحتمل تغييرا أو تعديلا في سيره ، نظير ما وصل إليه العلم من دورة المياه في الطبيعة ، والجاذبية العامّة ، ودرجات ضغوط الأجسام وما شابه .
فإنّ بقاء الآية على إبهامها أولى من محاولة تطبيقها على نظريّة علميّة غير بالغة مبلغ القطعية والكمال ، وربّما كانت تحميلا على الآية وتمحّلا باهتا ، إن لم يكن قولا على اللّه بغير علم .
هامش
( 1 ) الإنسان : 3 .
( 2 ) الحجّ : 46 .
( 3 ) فصّلت : 35 .