والصورة التي تخيّلها الآية :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
« 1 » فالخيال يظلّ يتصوّر تلك الحركة الدائبة : حركة الامتداد بماء البحر لكتابة كلمات اللّه ، في غير ما توقّف ولا انتهاء إلّا أن ينتهي البحر بالنفاد .
وشبيه بهذه الصور ما تخيّله للحسّ هذه الآية :
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
« 2 » والآية :
وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ
« 3 » فلفظة الزحزحة ذاتها تخيّل حركتها المعهودة . وهذه الحركة تخيّل الموقف على شفا النار ، ماثلا للخيال والأبصار .
ولون من ألوان « التخييل » يتمثّل في الحركة المتخيّلة التي تلقيها في النفس بعض التعبيرات مثل :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
« 4 » فتخيّل صورة الهباء المنثور التي هي صورة حسّية لإضاعة الأعمال ، وقد تقدّم ذلك . والآن تلفتنا فيها لفظة « وقدمنا » أنها تخيّل للحسّ حركة القدوم التي سبقت نثر العمل كالهباء . وهذا التخييل يتوارى بكل تأكيد لو قيل : وجعلنا عملهم هباء منثورا . حيث كانت تنفرد حركة النثر وصورة الهباء دون الحركة التي تسبقها حركة القدوم .
ومثلها :
قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا
« 5 » فكلمات
نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا
تخيّل حركة حسّية للارتداد في موضع الارتداد المعنوي ، وتمنح الصورة حياة محسوسة .
هامش
( 1 ) الكهف : 109 .
( 2 ) آل عمران : 185 .
( 3 ) البقرة : 96 .
( 4 ) الفرقان : 23 .
( 5 ) الأنعام : 71 .