وتأخذ منهم وتعطي ، وتتبدى لهم في شتّى الملابسات ، وتجعلهم يحسّون الحياة في كل شيء تقع عليه العين ، أو يتلبّس به الحسّ ، فيأنسون بهذا الوجود أو يرهبونه ، في توفّز وحساسية وإرهاف .
هذا هو الصبح يتنفّس :
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
« 1 » فيخيّل إليك هذه الحياة الوديعة الهادئة التي تنفرج عنها ثناياه وهو يتنفّس ، فتتنفّس معه الحياة ، ويدبّ النشاط في الأحياء ، على وجه الأرض والسماء .
وهذا هو الليل يسرع في طلب النهار ، فلا يستطيع له دركا :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً
« 2 » . ويدور الخيال مع هذه الدورة الدائبة ، التي لا نهاية لها ولا ابتداء .
أو هذا هو الليل يسري :
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ
« 3 » فتحسّ سريانه في هذا الكون العريض ، وتأنس بهذا الساري على هينة واتئاد .
وهاتان هما الأرض والسماء عاقلتين ، يوجّه إليهما الخطاب ، فتسرعان بالجواب :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
« 4 » والخيال شاخص إلى الأرض والسماء ، تدعيان وتجيبان الدعاء .
وهذه هي الشمس والقمر والليل والنهار في سباق دائم ولكن :
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ
« 5 » ، إنه لسباق جبّار ، لا يني أو يفتر في ليل أو نهار .
وهذه هي الأرض « هامدة » مرة و « خاشعة » مرة ، ينزل عليها الماء
هامش
( 1 ) التكوير : 18 .
( 2 ) الأعراف : 54 .
( 3 ) الفجر : 4 .
( 4 ) فصّلت : 11 .
( 5 ) يس : 40 .