لقصة مع صاحب له ، ليس من ذوي الجنان ، ولكن من ذوي الايمان . وكلاهما « نموذج إنساني » لطائفة من الناس : صاحب الجنّتين نموذج للرجل الثري ، تذهله الثروة ، وتبطره النعمة ، فينسى القوّة الكبرى ، التي تسيطر على أقدار الناس والحياة ، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى ، فلن تخذله القوة ولا الجاه .
وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتزّ بإيمانه ، الذاكر لربّه ، يرى النعمة دليلا على المنعم ، موجبة لحمده وذكره ، لا لجحوده وكفره :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً . وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ
« 1 » .
وبهذا ترتسم صورة الجنّتين مكتملة في ازدهار وفخامة . وهذا هو المشهد الأول . فلننظر المشهد الثاني :
فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً
.
ويبدو أنه قال قولته هذه وهما في الطريق إلى الجنّتين ، أو وهما على الباب ، إذ جاء بعده :
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً . وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
.
فها هو ذا في أوج زهوه وبطره ، وتعاليه وازدهائه . فما ذا ترى يكون أثر هذا كله في نفس صاحبه الفقير ، الذي لا جنّة له ولا مال ، ولا عصبة له ولا نفر ؟
إنّ صاحبه لمؤمن ، فما تشعره كل هذه المظاهر بالهوان ، وما تنسيه عزّة ربّه الديّان ، وما تغفله عن واجبه الصحيح ، في ردّ صاحبه البطر ، إلى جادة الطريق ، ولو استدعى ذلك أن يجبهه بالتقريع ، وأن يذكّره بمنشئه الصغير من
هامش
( 1 ) الكهف : 32 - 34 .