فو الحرمة والحرم ، إن بقي أبطحي إلّا قال : هذا شيبة الحمد ( يريدون عبد المطلب شيخ الأباطح ) وتتامّت « 1 » عنده قريش وانقضّ إليه الناس من كلّ بطن فشنّوا ومسّوا واستلموا وطوفوا ثم ارتقوا أبا قبيس ، وطفق الناس يدفّون حوله ما أن يدرك سعيهم مهلة حتى قرّوا بذروة الجبل واستكفوا جنابيه « 2 » .
فقام عبد المطلب فاعتضد ابن ابنه محمدا ( صلى اللّه عليه وآله ) فرفعه على عاتقه وهو يومئذ غلام قد أيفع أو قد كرب « 3 » . ثمّ قال :
« اللّهم سادّ الخلة ، وكاشف الكربة ، أنت عالم غير معلّم ، ومسؤول غير مبخّل ، وهذه عبداؤك وإماؤك بعذرات حرمك « 4 » ، يشكون إليك سنتهم ، فاسمعن اللهمّ وأمطرن علينا غيثا مريعا مغدقا » فما راموا - والبيت - حتّى انفجرت السماء بمائها وكظّ الوادي بثجيجه « 5 » .
قال ابن هشام : وحدّثني من أثق به ، قال : أقحط أهل المدينة فأتوا رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) فشكوا ذلك إليه فصعد رسول اللّه المنبر فاستسقى ، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحي « 6 » يشكون منه الغرق . فقال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) : « اللّهمّ حوالينا ولا علينا » « 7 » ، فانجاب السحاب عن المدينة ، فصار حواليها كالإكليل .
فقال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسرّه فقال له بعض أصحابه : كأنّك يا رسول اللّه أردت قوله :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
هامش
( 1 ) تتامّ القوم : اجتمعوا كلّهم .
( 2 ) استكفوا جنابيه : أي ملئوا طرفيه .
( 3 ) أيفع الغلام : ترعرع وناهز البلوغ .
( 4 ) عذرة الدار - بكسر الذال - : فناؤها .
( 5 ) الروض الأنف : ج 2 ص 29 . وهامش سيرة ابن هشام ج 1 ص 300 والثجيج : السيل الغزير .
( 6 ) الضواحي : جمع ضاحية هي الأرض البراز ليس فيها ما يكنّ من المطر . وضاحية كلّ بلد : خارجه ونواحيه .
( 7 ) هو من حسن الأدب في الدعاء ، لأنّ المطر رحمة ونعمة ، فكيف يطلب رفع نعمته وكشف رحمته .