تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
ونحن نشك في هذه النسبة التي جاءت من قبل خصوم كانوا لا يتورعون الكذب والافتراء في سبيل تفريق شمل المسلمين . الثانية : جبرية ملتوية ، وهي التي أثبتت لقدرة العبد أثرا ما في الفعل على جهة الكسب لا الايجاد ، لان الموجد لافعال العباد كلها هو اللّه تعالى ، فقالوا : العبد مكتسب لفعله ، وليس بقادر على ايجاده ، وهذا القول منسوب إلى « النجارية » أصحاب « الحسين بن محمد النجار » المعتزلي . نسب إليه أنّه قال : « اللّه خالق أعمال العباد ، خيرها وشرها ، حسنها وقبيحها ، والعبد مكتسب لها » . قال الشهرستاني : « أثبت النجار للقدرة الحادثة - أي قدرة العبد ، تجاه قدرة اللّه القديمة - تأثيرا . وسمى ذلك كسبا ، على حسب ما يثبته الأشعري » « 1 » . وهذا هو مذهب الأشعري بالذات ، أثبت للعبد اكتسابا تجاه من أثبت له الاختيار والقدرة المستقلة . ولم يفصح عن مذهبه هذا ما يكون حدا فاصلا بين الجبر والاختيار ، ومن ثمّ حار اتباعه في تفسير « الكسب » بوجه مقنع . وقد وجه القاضي عبد الجبار سؤاله إلى القائلين بالكسب : « عقلونا معنى الكسب وخبرونا عنه . فان اشتغلوا بالتحديد ، قلنا : الشيء يعقل أوّلا ثمّ يحد . ثمّ يقال لهم : وما هو الذي حددتم به الكسب ؟ فان قالوا : ما وقع بقدرة محدثة ، قلنا : ما تعنون بقولكم : ما وقع بقدرة محدثة ؟ فإن أردتم به ما حدث ، فهو الذي نقوله ، وإن أردتم به ما وقع كسبا ، فعن الكسب سألناكم ، فكيف تفسرونه بنفسه ، وهل هذا الا إحالة بالمجهول على المجهول ؟ » « 2 » . قال سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني - بصدد توضيح الكسب - : « فان قيل : لا معنى لكون العبد فاعلا بالاختيار ، إلّا كونه موجدا لأفعاله بالقصد والإرادة ، وقد سبق أنّ اللّه تعالى مستقلّ بخلق الأفعال وايجادها ، ومعلوم أنّ
هامش
( 1 ) الملل والنحل للشهرستاني : ج 1 ، ص 89 . ( 2 ) شرح الأصول الخمسة للقاضي : ص 366 - 367 .