تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
« الرحمن على العرش استوى » كيف استوى ؟ فوجد مالك من مقالته ، وعلته الرحضاء ، وأطرق برأسه . وبعد أن سرى عنه قال : « الكيف غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والايمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . وإنّي لأخاف أن تكون ضالّا ، ثمّ أمر بالرجل فأخرج من المسجد » « 1 » . وفي رواية : وزاد « من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه » . وسأل الأوزاعي عن تفسير هذه الآية ، فقال : « الرحمن على العرش استوى ، كما قال عزّ وجلّ ، وإنّي لأراك ضالّا » . وسئل ابن راهويه عن الاستواء : أقائم هو أم قاعد ؟ فقال : « لا يمل عن القيام حتى يقعد ، ولا يملّ عن القعود حتّى يقوم ، وأنت إلى غير هذا السؤال أحوج » « 2 » . تلك كانت طريقة السلف ممن كانت تعوزهم كفاءة التجوال في ميادين البحوث النظرية العريقة ، وبذلك سموا : « الصفاتية » ، أي الذين أخذوا بظواهر الصفات وإن لم يدركوا حقائقها . وتشعبت منهم « المشبهة » الذين أخذوا من ظاهر الصفات دليلا على اثبات مفاهيمها المعهودة عندهم لذاته تعالى ، تشبيها بغيره من المخلوقين . ومنهم : « الكرامية » أصحاب أبي عبد اللّه محمد بن كرام « 3 » كانوا ممن يثبتون الصفات إلّا أنّهم انتهوا فيها إلى التجسيم والتشبيه . أمّا « الأشعرية » فكانت امتدادا للصفاتية على ما سنذكر . وأمّا « المعتزلة » فكانوا انتفاضة في وجه السلف الصفاتيين ، على يد واصل بن عطاء
هامش
( 1 ) نفس المصدر : ص 27 . يقال : وجد على كذا أي غضب . والرحضاء - بضم الراء وفتح الحاء - عرق الحمى يتصبب من جبين المحموم . ( 2 ) البرهان للزركشي : ج 2 ، ص 78 . ( 3 ) كان من سجستان ، دعى أتباعه إلى تجسيم المعبود وان له حدّا ونهاية وجهة . وكان حسن الظاهر ، وبلغ اتباعه في خراسان وحدها أكثر من عشرين ألفا وكان له مثل ذلك في أرض فلسطين . مات سنة 255 .