تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
إلى ما يفهمون منها حسب ما أوتوا من أفهام ساذجة بدائية ، لا يزيدون شيئا ولا ينقصون . لا شكّ أنّها كانت طريقة الوقف والاحتياط في الدين ، بالنسبة إلى من لم يرتفع مستواه عن مستوى العامة بشيء . وبذلك قد سلموا عن كثير من شبهات اعترضت طرق الخلف ، ممن ولجوا في مسائل عقلية غامضة ، وكان قد أعوزتهم الوسيلة النافذة ، التي كانت تؤهّلهم لسبر تلكم الأغوار . هذا أبو هريرة سئل عن المبدع الأوّل كيف وجد ؟ فلم يحر جوابا وجعل يضطرب من مفاجأة هكذا سؤال ! قال : وانّي لجالس ذات يوم ، إذ قال رجل من أهل العراق : يا أبا هريرة هذا « اللّه » خلقنا ، فمن خلق اللّه تبارك وتعالى ؟ قال أبو هريرة : « فوضعت إصبعي في اذني وصرخت : صدق اللّه ورسوله ، اللّه الواحد الأحد الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد » « 1 » . إذ مسألة « وجود الواجب بالذات » « 2 » لم تكن مما يدركها أمثال أبي هريرة ذلك العهد . وقال أبو بكر : « أي أرض تقلني وأيّ سماء تظلني إذا قلت في كلام اللّه ما لا اعلم » . وسئل عبيدة السلماني عن شيء من تفسير القرآن ، فقال : « اتّق اللّه وعليك بالسداد » « 3 » . وجاء رجل إلى مالك بن أنس - إمام المالكية - فقال : يا أبا عبد اللّه !
هامش
( 1 ) راجع : رسالة « الرد على الجهمية » لعثمان بن سعيد الدارمي : ص 7 . ( 2 ) ينقسم الموجود إلى « موجود بالذات » و « موجود بالغير » ونعني بالثاني ما يستمدّ في وجوده حدوثا وبقاء من خارج ذاته ، اي يوجده غيره . وكلّ « ما بالغير » لا بدّ أن ينتهي إلى « ما بالذات » لا محالة ، وهو منتهى سلسلة الموجودات . ومن ثمّ فالبارئ تعالى هو مبدأ هذه السلسلة ، فهو « موجود بالذات » لم يستمدّ في وجوده من خارج ذاته ، وإلّا لم تنته السلسلة . ويطلق عليه تعالى « واجب الوجود » ، كما يطلق على غيره - من سائر الموجودات جميعا - : « ممكن الوجود » . فوجوده تعالى وجود كامل غنيّ بذاته لذاته ، وغيره محتاج فقير ، ومستمدّ منه تعالى وتقدّس . ( 3 ) نفس المصدر السابق : ص 5 .