العلم ووقوفهم على حق اليقين ، لا يضطربون ولا يتزعزعون ، بل يؤمنون بهذا وبذاك على حدّ سواء ، لأن كلا منهما من عند اللّه ربّنا ، ولا غرو ، فالجاهل في اضطراب دائم والراسخ في ثبات لازم . ومن اطلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري ، فهو يعرف الحق بذاته ، ويرجع كل قول إليه ، قائلا : آمنّا به كلّ من عند ربّنا « 1 » .
بقي هنا شيء : وهو أنّ الإمام الرازي - تأكيدا لاختياره الاختصاص - استمدّ بالأدب الرفيع ! وقال : إنّ العطف بعيد عن ذوق الفصاحة ، ولو أريد العطف لكان الأولى أن يقال : وهم يقولون آمنّا به ، أو يقال : ويقولون آمنّا به « 2 » .
ووافقه على هذا الذوق الأدبي ! سيّدنا العلّامة الطباطبائي ، قائلا : وظاهر الحصر كون العلم بالتأويل مقصورا عليه تعالى . وظاهر الكلام أن الواو في « والراسخون . . . » للاستئناف ، لكونه طرفا للترديد الواقع في صدر الآية « فأمّا الّذين . . . » . ولو كان للعطف الدال على التشريك ، لكان من أفضل الراسخين - حينذاك - هو الرسول الأعظم ، فكان من حقّه أن يفرد بالذكر ، تشريفا بمقامه كما في قوله تعالى :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ
« 3 » . وقوله :
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
« 4 » وقوله :
وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا
« 5 » .
قلت : إن كنّا نرى لهذين العلمين منزلتهما الشامخة في مجال الحكمة والعلوم العقلية ، فإنّ ذلك - بنفس المرتبة - أبعدهما عن عالم الأدب اللسني والعلوم النقلية ، لا سيما وأنّهما لم يذكرا سبب تلك الاستذاقة الغريبة ! وقد أسلفنا نقل
هامش
( 1 ) تفسير المنار : ج 3 ، ص 167 .
( 2 ) التفسير الكبير : ج 7 ، ص 177 .
( 3 ) البقرة : 285 .
( 4 ) التوبة : 26 .
( 5 ) آل عمران : 68 .