الحقيقة ، وهم أهل الزيغ والانحراف ممن يبغي الفساد بين العباد ، وفرقة ثالثة - هم الراسخون في العلم المؤمنون حقا - يقفون عند المتشابه يتأمّلونه بدقيق النظر ، ولسان حالهم : أنّ هذا المتشابه كأخيه المحكم - صادر عن مقام الحكمة تعالى وتقدس ، فلا بدّ أنّ وراء ظاهره المتشابه حقيقة راهنة تكون هي المقصودة بالذات ، وهذه الفكرة عن المتشابه هي التي تدعو المؤمنين حقا الراسخين في العلم إلى البحث والتحقيق عن تخريجه الصحيح .
والباحث الصادق - أمام المتشابه - لا يضطرب اضطراب الجاهل الذي وضع إيمانه على حرف
فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ ، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
« 1 » ولا يتروغ مراوغة المعاند الغاشم ، ليجعل من المتشابه ذريعة للعبث والفساد في الأرض
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
« 2 » . وإنّما يقف عنده وقفة المتأمّل الفاحص عن جلي الأمر . ولا شكّ أنّه سوف يحتضن مطلوبه بفضل استقامته وثباته على إيمانه الصادق ، وقد جرت سنة اللّه في خلقه : أنّ من جدّ وجد ومن لجّ ولج . قال تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
« 3 » .
والخلاصة : انّ الراسخين في العلم ، بفضل ثباتهم على العقيدة الصادقة ، سوف يهتدون إلى معرفة تأويل المتشابه كما أراده اللّه ، ويكون قولهم : « آمنا به كلّ من عند ربّنا » تمهيدا لطلب الحقيقة ، ونقطة باعثة نحو البحث عن طرق التحقيق والفحص .
وهكذا قال الشيخ محمد عبده : وأمّا دلالة قولهم : « آمنّا به كلّ من عند ربّنا » على التسليم المحض ، فهو لا ينافي العلم ، فإنّهم إنّما سلموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم ، لعلمهم باتفاقه مع المحكم ، فهم لرسوخهم في
هامش
( 1 ) الحج : 11 .
( 2 ) آل عمران : 7 .
( 3 ) العنكبوت : 69 .