قلت : الايمان عندنا عبارة عن التصديق بالقلب والاقرار باللسان . أمّا فعل الطاعات واجتناب المعاصي ، فهو من آثار الايمان المترتبة عليه مع الالتفات اليه . ويختلف حسب اختلاف درجة الايمان وقوته ، كالعقل حسب درجاته في الكمال يؤثر في اتزان الانسان في أفعاله واجتناب القبائح . فكما لا يصح ان يقال لكل مرتكب قبيح : انه فاقد للعقل اطلاقا ، كذلك لا يصحّ نفي الايمان عن مرتكب المعصية إذا لم يكن عن جحود .
ومن ثمّ فان الفاسق باق على ايمانه ، وهو الذي يدعوه إلى التوبة والاستغفار ولولاه لم يتب ولم يكن يئوب . نعم إذا كان مرتكب الكبيرة جاحدا لحرمتها بما يرجع إلى انكار قول الرسول وجحد رسالته - العياذ باللّه - لكان مرتدا عن الايمان وداخلا في حد الكفر ، وبذلك كان قد قطع حبل اللّه المتين ، الذي اعتصم به عباده المؤمنون ، فلا آصرة تربطه مع اللّه سوى الرجوع إلى حظيرة الايمان .
أمّا استحقاقه المذمة والإهانة على ارتكاب المعصية ، فلا يتنافى مع استحقاقه الاجلال والتعظيم على ثباته على الايمان ، لأنهما جهتان مترتبتان على عنوانين لا يمس أحدهما الآخر ، فيذم على جهة ويمدح على أخرى ، كما يقبح انسان على قبيحة ارتكبها ، ويستحسن فعله الآخر ، إذا كانا على جهتين وبعنوانين لا صلة بينهما .
وأمّا التساوي بين الدين والايمان فلا موضع له ، بعد ان كان الدين عبارة عن مجموعة قوانين وأنظمة لتنظيم الحياة الفردية والاجتماعية في أكمل نظام كافل لسعادة الدارين . فليس الدين سوى الطريقة المستقيمة التي شرعها اللّه تعالى ، ويجب على المكلفين السير عليها تأمينا لسعادتهم المنشودة .
أمّا الايمان فهو نفس الاعتقاد باللّه وحده لا شريك له ، والتصديق برسوله فيما جاء به من عند اللّه . وغير خفي ان التصديق غير العمل ، وكان الدين هو العمل .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 383
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٣٨٣