وقبل أن ننتقل إلى صلب البحث لا بدّ أن نتعرف - اجماليا - إلى مسائل هي ذات صلة بالموضوع : - الأولى : هل الجزاء على العمل استحقاق أم مواضعة ، أي مجرّد مواعدة ( وعد بثواب ووعيد بعقاب ) ؟
الصحيح هو الأوّل ، في صورة ما إذا كان العمل صادرا عن طلب من المولى حتى ولو كان متفضّلا على عبيده بالنعم الجسام ، لأنّ ذلك تفضّل محض ، ولا شيء يوازي التفضل ، خصوصا إذا كان في التكليف مشقة ، فإنه ليس للمتفضّل أن يكلّف المتفضّل عليه بما يوقعه في مشقّة كثيرة بحجّة أنّه منعم عليه ، لولا الالتزام على نفسه بمقابلة الأجر والثواب .
هذا ولا سيما إذا قلنا بأنّ المثوبات ليست سوى تجسّدات ذاتية لنفس الأعمال تتجسد إلى درجات ودركات ، والأعمال هي - بدورها - انعكاسات نفسية طيبة أو خبيثة تتمرن بالعمل ، وان كانت ذات مرونة وقابلة للانعطاف والتبديل ، بالتربية والتدريب « 1 » .
وعليه فالمحسن الممتثل لأوامر مولاه ، انما يستحقّ أجرا لذاته ، ولم يكن الوعد بالثواب سوى تأكيد ، وتعيين لمقداره لا لأصله .
وهكذا المسئ يستحق عقوبة لذاته وليس لمجرد الوعيد ، ولعل استحقاق المسئ إجماعي ، حيث تمرده وكفرانه نعم المولى معا .
الثانية : هل المثوبة والعقوبة تقتضيان الدوام والأبدية ؟ فلا مثوبة إلّا وهي دائمة ولا عقوبة الا وهي خالدة ؟ ! قالت المعتزلة : نعم ! ومن ثمّ جعلوا من الفاسق خالدا في النار .
ودليلهم على ذلك هو : قياس المثوبة والعقوبة بالمدح والذم ، فكما أنّهما
هامش
( 1 ) وسوف نتكلم عن مسألة العقوبة في مجال التفسير ان شاء اللّه .