ابتدأت السورة بقوله تعالى :
ألم . أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
ثمّ قال - دفعا لتوهم اختصاص هذه الأمة بذلك - :
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وتعقيبا على ذلك بين وجه الحكمة :
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
. وهذا اعلام بما سيصيب هذه الأمة من بلاء وامتحان .
وبالفعل قد تحقّق ذلك مدة بقاءهم في مكة وبعد ما هاجروا إلى المدينة ، على ما جاء في سورة براءة :
أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ
« 1 » .
200 -
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« 2 » . اختصاص بهدايته التي هي عناية ومزيد ألطاف يخص بها عباده المخلصين . أمّا هدايته التي هي دلالة وارشاد إلى معالم الحق والطريقة الوسطى فهي عامة شاملة لجميع المكلّفين على ما سبق تحقيقه غير مرة « 3 » .
201 -
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
« 4 » . تقدم أنّه اخبار عن واقعية سوداء هم اكتسبوها بمرودهم على الطغيان والاستكبار عن قبول الحق . وجاء التعبير استعارة ومجازا عن تلك الحالة القاسية التي انطوت عليها قلوبهم الجافة . وقد صرّح بهذا التشبيه في قوله تعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً ، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها ، كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
« 5 » . في حين أنّه تعالى ذكر في كثير من الآيات : أنهم لا يسمعون ، وفي آذانهم وقر . فعلمنا أنّ جميع ذلك من المجاز في التعبير ، وسنبحث عن معنى الطبع والختم والوقر وما شاكل في فصل قادم ان شاء اللّه . كما تقدّم وجه نسبة ذلك إلى اللّه « 6 » .
202 -
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
« 7 » . أي هداية تكوينية بالالجاء
هامش
( 1 ) البراءة : 126 .
( 2 ) العنكبوت : 69 .
( 3 ) راجع - بالخصوص - : مسألة الهداية والتوفيق في مراحلها الخمس ص 200 فما بعد .
( 4 ) الروم : 59 .
( 5 ) لقمان : 7 .
( 6 ) راجع الصفحة 214 .
( 7 ) السجدة : 13 .