كلامهم في المرتبة العليا من الفصاحة ، فان الكلام متى خلا من الاستعارة ، وجرى كلّه على الحقيقة كان بعيدا من الفصاحة ، بريّا من البلاغة ، وكلام اللّه تعالى أفصح الكلام .
والوجه الرابع : أن تحمل الآية على التقديم والتأخير ، فيكون تلخيصها : إذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة فعصوا واستحقوا العقاب أردنا اهلاكهم ، والتقديم والتأخير في الشعر وكلام العرب كثير .
ومما يمكن ان يكون شاهدا لصحة هذا التأويل من القرآن ، قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
« 1 » والطهارة انما تجب قبل القيام إلى الصلاة . وقوله تعالى :
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ
« 2 » . وقيام الطائفة معه يجب أن يكون قبل إقامة الصلاة ، لأنّ اقامتها هي الاتيان بجميعها على الكمال « 3 » .
قال : وأمّا قراءة من قرأ الآية بالتشديد ، فقال : « أمّرنا » « 4 » ، وقراءة من
هامش
ان ينقض ، وكقول الراعي النميوي .في مهمه قلقت به هاماتها * قلق الفئوس إذا أردن نصولاالمهمة : المفازة البعيدة المقفرة . والقلق : الاضطراب . وفأس اللجام : الحديدة القائمة في الحنك .
والنصول : الخروج .
( 1 ) المائدة : 6 .
( 2 ) النساء : 102 .
( 3 ) وزاد شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي : « ومثله قوله : ما ان مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولى القوة - القصص :
76 » . والتقدير : ما ان مفاتحه لتنوأ بها العصبة أي يثقلون بها . ومثله قول الشاعر :ذعرت القطا ونفيت عنه * مقام الذئب كالرجل اللعينأراد : مقام الذئب اللعين . وقد فصلوا بين المضاف والمضاف اليه ، قال الشاعر : بين ذراعي وجبهة الأسد . أراد بين ذراعي الأسد وجبهته ( تفسير التبيان ج 6 ص 460 ) .
( 4 ) بتشديد الميم من باب التفعيل ، هي قراءة أبي عثمان النهدي . وقراءة الليث عن أبي عمرو . وأبان عن عاصم ( القراءات الشاذة ، لابن خالويه ص 75 ) .