لا يستدعي الإجبار والإلجاء بعد أن كانت المصلحة تستدعي اختيار الناس فيما يزاولون ، لحكمة التكليف والاختبار . فاللّه تعالى جعل من الأمور تترتب بعضها على بعض حسب سلسلة المعاليل التي ركبها في طبيعة الأشياء . فإذا ما فعل الانسان أمرا فإنّ له آثارا تترتب عليه لا محالة فهو بذاته مسؤول عنها وان كان ذلكم الترتب هو صنيعه تعالى ، حسبما تقدم تحقيقه .
30 -
وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ، إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً ، يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ
« 1 » .
قالت الأشاعرة : يدل على أنّه تعالى هو الذي يريد منهم الكفر وأن يصيروا إلى جهنم ! والجواب : أنّه تعالى انّما يريد أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة ، بسبب كفرهم وهذا كقولنا : أريد معاقبة فلان لأنّه خالف أمري . وإلّا فلو كان تعالى هو الذي أراد منهم الكفر لم يصح كون الآية تسلية للنبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) ولا كونها انكارا لاذعا بمسارعتهم إلى الكفر ! وغاية الأمر أنّ في الآية تلميحا إلى استدراجهم على الكفر معاقبة لهم ، ومعاكسة مع لجاجهم مع الحق .
31 - وهكذا قوله :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ، إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
« 2 » . أيضا استدراج عقوبة على اصرارهم في الغيّ والعناد .
واللام في « ليزدادوا » لام العاقبة ، كما في قوله :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
« 3 » . أي يكون أثر هذا الاستدراج هي الزيادة في الاثم والكفر . وسنبحث عن مسألة « الاستدراج » في فصل خاص .
32 -
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
« 4 » .
هامش
( 1 ) آل عمران : 176 .
( 2 ) آل عمران : 178 .
( 3 ) القصص : 8 .
( 4 ) النساء : 49 .