فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
. ومن ثمّ علل الطبع بكفرهم . وسنتكلم عن الطبع والختم في فصل قادم .
37 -
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ، وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
« 1 » .
الإرادة - هنا - تشريعية . ومن ثمّ قد تتخلف عن المراد ، حسبما أسلفنا البحث عنها « 2 » .
38 -
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً
« 3 » . قالت الأشاعرة : ومعلوم من قسوة قلوبهم أنّه بالكفر ، فإذا كان اللّه قد جعلها قاسية فقد خلق فيها الكفر .
والجواب : أنّ هذا القساء والجفاء إنّما كان على أثر ذلك اللجاج والعناد مع الحق ، وقد عبّر عن هذه القسوة في مواضع آخر من القرآن بالختم والطبع وفي غلاف وأمثال ذلك من تعابير ، كلها تنمّ عن حالة نفسية جافية كانت لليهود ، هم أوجدوها لأنفسهم بعد إعراضهم عن الحق وإصرارهم على الباطل .
أمّا النسبة إلى اللّه فقد تقدم أنّها باعتبار أنّه تعالى أقدرهم على رفض الحق كما أقدرهم على القبول ، لحكمة التكليف والاختبار ، فرفضوه باختيارهم ، لا أنّه تعالى أجبرهم على الرفض أو أراد منهم الكفر ، سواء بإرادة تكوينية أم بإرادة تشريعية . لأنّ ذلك يتنافى وتوجيه ذلك الإنكار والذم إليهم بالذات .
ومعنى الآية : أنّهم نقضوا الميثاق وخالفوا عهد ربهم ، فلعنهم وأبعدهم عن رحمته ، ومن ثمّ قست قلوبهم فجعلوا يحرّفون الكلم عن مواضعه بهتانا وزورا .
39 - وعلى هذا النمط جاءت الآية التالية بشأن النصارى :
وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ، فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
« 4 » .
هامش
( 1 ) المائدة : 6 .
( 2 ) راجع صفحة : 170 .
( 3 ) المائدة : 13 .
( 4 ) المائدة : 14 .