نعم لو شاء اللّه ان يهديهم بالجائهم على الهدى لفعل ، لكنه تعالى جعل لهم الاختيار في قبول الدعوة ، لحكمة التكليف والاختيار . فالمشيئة على هذا تكوينية ويمكن أن تكون الهداية المقصودة هنا هو التوفيق والتسديد ، وقد شاءها اللّه لعباده المجاهدين في سبيله .
17 -
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا
« 1 » طلب للمزيد من التوفيق وتسديد الخطى نحو الصواب ، لئلا ينحرف بهم الهوى ونزعات هذه الحياة الدنيا إلى مهاوي الضلال ، فتزيغ قلوبهم عن ذكر اللّه ، فلا يسلموا من شرور الشيطان ووساوسه الخداعة ، نستعيذ منه إلى اللّه .
ويوضح هذا المعنى قوله تعالى بعد ذلك :
وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
.
18 -
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ
« 2 » . وهم الذين جاهدوا في سبيل اللّه ابتغاء وجهه وابتغاء رضوانه ، وليس اعتباطا كما زعم الخصم .
19 -
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ
« 3 » . زينتها لهم أنفسهم فرأوها جمالا وزينة .
على أنّ في هذا التزيين حكمة ربانية ، ولولاه لما عمرت الأرض ولما ازدهرت الحضارة الانسانية التي طبقت أرجاء العالم وتكاد تسرى إلى جوّ السماء . ولا نقطع التناسل البشري المتوسع عبر الساعات والأيام .
نعم حدد الشارع المقدس لاستعمالها حدودا وموازين ، إن هم جاوزوها كانت وبالا وأعقبت آثاما ،
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
« 4 » .
20 -
قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ
« 5 » أي الدلالة التي ينبغي السير في ضوئها
هامش
( 1 ) آل عمران : 8 .
( 2 ) آل عمران : 13 .
( 3 ) آل عمران : 14 .
( 4 ) التغابن : 15 .
( 5 ) آل عمران : 73 .