كما يجد الانسان من نفسه الفرق بين تعلق الإرادة بالعمل الذي يريده ، وتعلق العلم به . حيث لا أثر للعلم في تحقق المعلوم ، امّا الإرادة فهي الباعثة على تحقق المراد . وكذا القدرة على عمل هي التي جعلته تحت اختياره ان شاء فعله أو تركه ، ولا هكذا اثر للعلم بالنسبة إلى المعلوم .
والخلاصة : أنّ هناك أفعالا اختيارية تصدر من الفاعل المختار حسب إرادته واختياره ، يكون هو المسؤول عنها ، تحسينا أو تقبيحا ، مدحا أو ذما ، ثوابا أو عقابا . ولا يسأل عنها غيره بتاتا . لا يؤخذ الجار بذنب الجار . ولا تزر وازرة وزر أخرى ، ومضاعفات كلّ عمل إنّما ترجع على العامل وتستند إليه تبعاته من خير أو شر ، صلاح أو فساد ، حق أو باطل .
هذا ما تشهد به ضرورة العقل وبداهة الوجدان ، وعليه صحّ التكليف والتشريع وبعث الرسل وانزال الكتب ، والأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، والمثوبة والعقوبة وما إليها ، وإلّا لغي التكليف وبطل التشريع والبعث والزجر ، ولم يكن موقع لتحسين أو تقبيح ولا استحقاق جزاء . ولأصبح تحسين المحسن على احسانه عبثا كمدح الجميل على حسن صورته . وهكذا لغي ذم المسئ على إساءته كذم الدميم على قبح منظره وقدح القصير على قصر قامته أو الأعرج على عرج رجله .
ولنتساءل الأشاعرة : هل تجدون من أنفسكم الفرق بين جود الكريم وصفاء اللؤلؤ ؟ أو شح البخيل وسواد الفحم ؟ فإن قالوا : نعم ، سألناهم فإلى من يرجع مدح الجود إذا جاد الكريم ، وإلى من يعود ذم الشح إذا بخل البخيل ؟
فإن قالوا : إلى اللّه قلنا : فلم يكن فرق بين الكريم واللئيم إذا كان كرم ذاك ولؤم هذا كلاهما من عند اللّه ، غير داخلين تحت اختيارهما وإرادتهما ، وبالتالي لم يكن فرق بين كرم الكريم وصفاء اللؤلؤ ، أو بين شح البخيل وسواد الفحم ، فقد نقضتم ما اعترفتم به أوّلا ! .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 162
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص١٦٢