بأنّهم يثبتون للّه شركاء لا حصر لها ولا حدّ . قالوا : المجوس أسعد حالا منهم ، حيث لم يثبتوا إلّا شريكا واحدا ، وهؤلاء يثبتون شركاء لا تحصى « 1 » .
ونحن - في هذا العرض - نقدم فصولا نبحث خلالها عن مسائل :
« الاختيار » و « الإرادة » و « الأمر بين الأمرين » وعن نسبة ما بين قدرة العبد وقدرته تعالى . وعن السر في إضافة الأفعال والمولدات إليه سبحانه ، وما إلى ذلك من بحوث لها صلة بالموضوع ، وأخيرا نتعرج إلى شبهات أهل الجبر وحلّ متشابهات آيات تشبثوا بها في هذا المجال ، وتخريج تأويلها الصحيح ان شاء اللّه تعالى ، ومنه التوفيق .
الأفعال الاختيارية :
أمّا أهل العدل والتنزيه فوقفوا من مسألة « الاستطاعة » موقفا نزيها ، وقدّسوا ساحة قدسه تعالى أجمل تقديس ، في هدى العقل الرشيد ومحكمات الآيات والآثار الصحيحة .
قالوا : ان اللّه خلق الخلائق لا شريك له في الخلق ، ولا خالق سواه ، وركب في كلّ مخلوق صفة وجعل لكلّ موجود أثرا ، وجعل من أوصاف الأشياء وآثارها نوعين ، منها ما يصدر عنها صدورا لا باختيارها ولا هي مقيدة بإرادتها ، كطلوع الشمس واشراقها ، ونبت الشجر وأثماره . ومنها ما يصدر عنها صدورا تحت اختيارها ومقيدة بإرادتها ، كمشي الدابة ووقوفها وطلبها للحشائش وأكلها .
قالوا : هناك فرق ضروري بين حركة يد المرتعش الحادثة لا عن اختياره ، وتحريك اليد لتناول الطعام والشراب ، المنضبط تحت الاختيار . كالفرق بين التنفس والتكلم ، وهكذا بين نبات الشعر وحلقه ، الأول لا اختياري والثاني اختياري .
والفعل الاختياري هو ما إذا شاء الانسان فعله أو شاء تركه ، الأمر الذي يجده الانسان في صميم فطرته فارقا بين الأمرين بديهيا لا غبار عليه .
هامش
( 1 ) شرح العقائد النسفية : ص 61 .