القراءات المشهورة ، اما أن تكون منقولة بالنقل المتواتر أو لا تكون ، فإن كان الأول ، فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر ان اللّه قد خير المكلفين بين هذه القراءات وسوى بينها في الجواز ، وان كان كذلك كان ترجيح بعضها على البعض واقعا على خلاف الحكم الثابت بالتواتر ، فوجب ان يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق ان لم يلزمهم التكفير .
لكنا نرى ان كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة ، ويحمل الناس عليها ويمنعهم عن غيرها ، فوجب ان يلزم في حقهم ما ذكرنا .
واما ان قلنا : ان هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر ، بل بطريق الآحاد ، فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع واليقين ، وذلك باطل بالاجماع . ولقائل ان يجيب عنه فيقول : بعضها متواتر ، ولا خلاف بين الأمة فيه ، وتجويز القراءة بكل واحدة منها ، وبعضها من باب الآحاد ، وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضى خروج القرآن بكليته عن كونه قطعيا ، واللّه اعلم » « 1 » .
قلت : قد اشتبه عليه تواتر القرآن بتواتر القراءات ، ومن ثم وقع في المأزق الأخير ، وسنبين ان القرآن شئ والقراءات شئ آخر ، فلا موقع للشق الأخير من الاشكال .
وقال « الحجة البلاغي » : « وان القراءات السبع - فضلا عن العشر - انما هي في صورة بعض الكلمات ، لا بزيادة كلمة أو نقصها ، ومع ذلك ما هي الا روايات آحاد عن آحاد ، لا توجب اطمئنانا ولا وثوقا ، فضلا عن وهنها بالتعارض ، ومخالفتها للرسم المتداول ، المتواتر بين عامة المسلمين في السنين المتطاولة . وان كلا من القراء وهو واحد - لم تثبت عدالته ولا وثاقته - يروى عن آحاد ، ويروى عنه آحاد
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ج 1 ص 63 .