تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
نعم لم يكن انكارهم على أمثال هؤلاء لجانب تحكيمهم للآراء والأذواق الاجتهادية ، بل لجانب خروجهم عن موافقة مرسوم الخط ، فالقراءة إذا كانت متوافقة مع ظاهر الرسم فلا تعد منكرة . وقد كانت ميزة القراء السبعة وغيرهم من المشهورين المعتمدين ، هو التزامهم بموافقة الرسم خطا ، كما يحدثنا أبو محمد مكي بأن حفصا قرأ
كُفُّوا
بالواو ، فخفف الهمزة واوا . وكان حقه ان ينقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ، فيقول : كفا لكنه رفض ذلك ، لئلا يخالف الخط ، فأعمل الضمة الأصلية . ومن ثم تلك المحاولات لتوجيه القراءات الشاذة ، بل لمطلق القراءات إذا كانت موافقة للرسم . انظر كيف يوجه الدمياطي قراءة حمزة :
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
( النساء : 1 ) بجر الارحام عطفا على الضمير المجرور بالحرف ، وفق مذهب الكوفيين « 1 » . ويوجه قراءة ابن عامر :
وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ
( الانعام : 137 ) . قرأ « قتل » مرفوعا نائب فاعل ل « زين » التي قرأها مبنية للمفعول . ونصب « أولادهم » على أنه مفعول به للمصدر . وجر « شركائهم » على إضافة المصدر اليه مع الفصل « 2 » وأمثال ذلك كثيرة في توجيه القراءات الشاذة . والكتب في توجيه القراءات ، ولا سيما الشاذة وذكر عللها وحججها كثيرة ، منها : الحجة لأبي على الفارسي ، والمحتسب لابن جنى ، واملاء ما من به الرحمن لأبي البقاء ، والكشف عن وجوه القراءات السبع لمكى ابن أبي طالب . وغير ذلك مما يطول . وإليك نماذج من تعاليل وحجج اعتمد عليها القراء ، تكفى برهنة على مدى تحكيم الرأي والاجتهاد في الاختيار :
هامش
( 1 ) اتحاف فضلاء البشر ص 185 . ( 2 ) المصدر ص 217 .