كما خلط أبو عمرو الداني مسألة « أصالة القرآن » بمسألة « القراءات » وتبعه في هذا التخليط الغريب الأستاذ الزرقاني تقليديا من غير تفكير .
إذ المتبع هو نص القرآن الأصل المتواتر بين المسلمين . وعليه اعتمد أئمة العربية في استقاء القواعد العامة المعتمد عليها . أما القراءات فشىء يرجع إلى اجتهادات القراء ، واللحن متفش بينهم وما أقل من سلم من هذه الطبقة من الغلط والوهم ، ولا يجعل لحن اللاحنين حجة على الكتاب ، على حد تعبير ابن قتيبة « 1 » .
انا إذا وجدنا لحنا في قراءة قارئ ، نقوم في وجهه دفاعا عن سلامة القرآن عن الاعوجاج ، علما بان القرآن نزل على الصحيح الأفصح
قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ
« 2 » .
ويعذر القوم حيث حسبوا من أنفسهم تجاه امر واقع ، ومن ثم زعموا من كل قراءة أنها سنة متبعة ، وفاتهم أن لا مستند لهذا التعبد الأعمى . ولا تثبت قرآنية القرآن بقراءة رويت عن فلان أو فلان ، وقد أوضحنا ان لا سند لا حاد القراءات متصلا إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله ولا مساس لها بمسألة « تواتر القرآن » اطلاقا .
اذن فتحكيم القواعد على القراءات ، ليس تحكيما لها على القرآن ، بل تحكيما للتوصل إلى واقع القرآن . فكل قراءة وافقت الأفصح في اللغة والافشى في العربية ، وتوفرت فيها سائر الشرائط ، نعتبرها صحيحة ونتسلمها قرآنا ، بكاشف هذا التوافق .
والقواعد - التي نعتبرها مقاييس لمعرفة القرآن - هي المعترف بها لدى الجميع ، والتي تسالمت عليها علماء اللغة والأدب ، المستقاة من كلام العرب الأصيل ، الامر الذي يوجد عند نحاة البصرة أكثر وأدق مما عند الكوفيين ، ومن ثم فان وقفة مثل « الداني » المغربي
هامش
( 1 ) تأويل المشكل ص 58 و 61 .
( 2 ) سورة الزمر : 28 .