وهكذا قراءات ضعيفة - تقدم بعضها - من السبعة وغيرهم تشى بضعف مقدرة قرائها ، وأنكرها المحققون من العلماء النقاد ، سواء في مجال الفقاهة أم في حقل الأدب الرفيع ، فكيف نوافق على قرآنيتها ونضرب بجميع الأصول والقواعد عرض الجدار ؟ ! فالذي تقتضيه قواعد التمحيص : هو النظر في منشأ القراءة ، فان كانت عن مستند وثيق وعن دراية صحيحة الأصول ، تقبل ويعترف بقرآنيتها أيضا ، وكل قراءة خالفت أصول التمحيص الصحيح فهي ضعيفة شاذة يجب نبذها رأسا . سواء أكانت عن السبعة أم عن غيرهم ، وتقدم كلام أئمة التحقيق في ذلك .
وأما عدم المعارضة بالأقوى حجة ، فلان القراءة حجة حيثما لا يعارضها حجة أقوى ، حسب قانون « التعادل والترجيح » في باب تعارض الأدلة .
فمثل « أرجلكم » بالخفض وان قرأ بها بعض القراء ، لكنها - فضلا عن مخالفتها للقياس الأفصح في باب العطف - معارضة بدلائل أقوى ترجح النصب .
لان الخفض عطفا على مدخول الباء يتنافى ولزوم استيعاب مسح الرجل طولا . إذ « مسح » فعل متعد بنفسه ، لكنه كان يقتضى الاستيعاب في الممسوح ، اقتضاء لاطلاق المتعلق . فدخلت الباء للدلالة على كفاية مجرد التماس ( الالصاق ) بين الماسح والممسوح في الرأس ، الامر الذي يختلف بشأن الرجلين .
فهو عطف على محل المجرور ، ليكون المسح قد تعلق بالرجلين وفق الأصل .
( وقد فصلنا القول في ذلك في الجزء الرابع من التمهيد عند الكلام عن روايات التحريف ) .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 169
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص١٦٩