مطابقة للفظ المنطوق به تماما ، ليكون الخطّ مقياسا للّفظ من غير زيادة عليه أو نقصان .
غير أنّ أساليب الإنشاء والكتابة تختلف عن هذه القاعدة بكثير . ولكن لا بأس بذلك ما دام الاصطلاح العامّ جاريا عليه ، فلا يسبّب اشتباها أو التباسا في المراد .
هذا . . . ورسم الخطّ في المصحف الشريف تخلّف حتى عن المصطلح العامّ ففيه الكثير من الأخطاء الإملائيّة وتناقضات في رسم الكلمات ، بحيث إذا لم يكن سماع وتواتر في قراءة القرآن ، ولا يزال المسلمون يتوارثونها جيلا بعد جيل ، في دقّة وعناية بالغة ، لولا ذلك لأصبح قراءة كثير من كلمات القرآن ، قراءة صحيحة ، مستحيلة .
ويرجع السبب - كما تقدّم - إلى عدم اضطلاع العرب بفنون الخطّ وأساليب الكتابة ذلك العهد . بل ولم يكونوا يعرفون الكتابة غير عدد قليل ، خطّا بدائيّا رديئا للغاية . كما يبدو على خطوط باقية من الصدر الأوّل « 1 » .
كما ويبدو أنّ الذين انتدبهم عثمان لكتابة المصحف كانوا غاية في رداءة الخطّ وجهلاء بأساليب الكتابة ، حتى ولو كانت بدائية آنذاك .
يحدّثنا ابن أبي داود - كما سبق - : أنّهم بعد ما أكملوا نسخ المصاحف ، رفعوا إلى عثمان مصحفا فنظر فيه فقال : قد أحسنتم وأجملتم ، أرى فيه شيئا من لحق ستقيمه العرب بألسنتها . ثم قال : أما لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا « 2 » .
يبدو من هذه الرواية أنّ عثمان كان يعلم من هذيل معرفتها بأسلوب الإنشاء ذلك الوقت ، ومن ثقيف حسن كتابتها وجودة خطّها . الأمر الذي
هامش
( 1 ) راجع مقدّمة ابن خلدون : ص 419 - 438 .
( 2 ) المصاحف ، للسجستاني : ص 32 - 33 .