ولكن لا مناسبة ظاهرة بين كلام أبي جهل هذا وفحوى الآيات المذكورة ، ليكون الداعي لنزولها ! والصحيح : أنّها نزلت بشأن المشركين عموما ، انسجاما مع بقية آيات السورة ، وهكذا فسّرها العلّامة الطبرسي وأبو جعفر الطبري « 1 » .
وأمّا قوله :
« فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ . . . » *
الخ فهي من آيات الصفح المكيّة بلا ريب ، وما ندري ما وجه هذا الاستثناء الغريب ؟ !
38 - سورة المزّمل : مكيّة
استثني منها قوله :
« وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
- إلى قوله - :
وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا »
« 2 » .
حكاه الأصبهاني « 3 » لكن الآيتين تصبير للنبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) تجاه أذى المشركين ، وتوعيد بهم ، فهما من آيات الصفح المكيّة ، ولا وجه لعدهما مدنيّتين .
* * * وحكى ابن الغرس استثناء قوله :
« إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ
- إلى قوله - :
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » *
« 4 » .
قال جلال الدين : ويردّه ما أخرجه الحاكم : أنّه نزل بعد نزول صدر السورة بسنة ، وذلك حين فرض قيام الليل في أوّل الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس « 5 » وهكذا أخرج عبد بن حميد عن عكرمة ، قال : لبث المسلمون بعد نزول :
« يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ . . . . »
سنة فشقّ عليهم وتورّمت أقدامهم ، حتى نسختها آخر السورة :
« فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ »
« 6 » .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ص 336 . وجامع البيان : ج 29 ص 19 .
( 2 ) المزمل : 10 - 11 .
( 3 ) الإتقان : ج 1 ص 17 .
( 4 ) المزمل : 20 .
( 5 ) الإتقان : ج 1 ص 17 .
( 6 ) الدر المنثور : ج 6 ص 280 .