قلت تمسّك القائل بمدنيّة الآية ، بأنّ الصلاة والزكاة لم تفرضا بمكة « 1 » وهو استدلال غريب ، لأنّ الصلاة هي أولى فريضة فرضت بمكة « 2 » أمّا الزكاة فليست هي الزكاة المفروضة بحدود وأنصبة مقررة ، وإنّما هي مطلق التصدّق الذي كان واجبا حينذاك ، كما في قوله تعالى :
« وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ »
« 3 » وقوله :
« الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ »
« 4 » .
نعم جاءت تفاصيل حدودها وأحكامها بالمدينة ، أمّا أصلها فكانت واجبة بمكة بلا شك .
وليته تمسّك بقوله :
« وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ »
والقتال لم يشرّع أصلا إلّا بالمدينة . لكنّه على تقدير أن يراد بالقتال : هو ما يقع فعليّا ، لا ما سيفرض وسيقع بعد ذلك ! والاحتمال الثاني أوجه ، نظرا إلى أنّه تعالى - في هذه الآية - يذكر أسباب رفع ذلك التكليف الأوّل الشديد وتبديله إلى تكليف آخر خفيف . ومن تلك الأسباب تشريع القتال بعدئذ ، من غير أن يكون هنا دليل صريح على إرادة فعليّته حينذاك .
39 - سورة المرسلات : مكيّة
قالوا باستثناء : قوله :
« وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ »
« 5 » .
قال مقاتل : نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) بالصلاة ، فقالوا : لا ننحني ، فإنّ ذلك سبّة علينا « 6 » وثقيف أسلمت بالمدينة .
لكن وجه الآية وسياقها مع المكذّبين ، وهم مشركو العرب ، ولا معنى لأن يكون هذا الموضع من السورة خلوا من هذه الآية إلى أواخر سني الهجرة ثم تكتمل . إذ ذلك يخلّ بفصاحة السورة ويخلخل من نظمها المنسجم .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ص 382 .
( 2 ) راجع سيرة ابن هشام : ج 1 ص 259 .
( 3 ) المؤمنون : 4 .
( 4 ) فصلت : 7 .
( 5 ) المرسلات : 48 .
( 6 ) مجمع البيان : ج 10 ص 419 .