تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
واحد . فلذلك ينبغي ألا ينظر في علم بدء الخلق وما جرى مجراه من التواريخ ، إلا بعد النظر في علم الأحكام وإتقانه . ثم ظهر لي بحمد اللّه وجه آخر ، أكثر إتقانا مما تقدم . وهو أنه لما ذكر في سورة المائدة
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا
[ الآية 87 ] إلى آخره ، فأخبر عن الكفار أنهم حرموا أشياء مما رزقهم اللّه افتراء عليه ، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا شيئا مما أحل اللّه ، فيشابهوا بذلك الكفار في صنيعهم وكان ذكر ذلك على سبيل الإيجاز ، ساق هذه السورة لبيان ما حرمه الكفار في صنيعهم ، فأتى به على الوجه الأبين والنمط الأكمل ، ثم جادلهم فيه ، وأقام الدلائل على بطلانه ، وعارضهم وناقضهم ، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه القصة « 1 » فكانت هذه السورة شرحا لما تضمنته المائدة من ذلك على سبيل الإجمال ، وتفصيلا وبسطا ، وإتماما ، وإطنابا . وافتتحت بذكر الخلق والملك « 2 » ، لأنّ الخالق والمالك هو الذي له التصرّف في ملكه ، ومخلوقاته ، إباحة ومنعا ، تحريما وتحليلا ، فيجب ألّا يتعدّى عليه بالتصرف في ملكه . وكانت هذه السورة بأسرها متعلقة بالفاتحة ، من وجه كونها شارحة لإجمال قوله تعالى :
رَبِّ الْعالَمِينَ
( 2 ) . وللبقرة من حيث شرحها لإجمال قوله تعالى :
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ البقرة : 21 ] . وقوله جلّ وعلا :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ البقرة : 29 ] . وبال عمران من جهة تفصيلها لقوله تعالى :
وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
[ آل عمران : 14 ] . وقوله جلّ وعلا :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ آل عمران : 185 ] . وبالنساء من جهة ما فيها من بدء الخلق ، والتقبيح لما حرموه على أزواجهم ،
هامش
( 1 ) . وهذا البيان الكامل في قوله تعالى :وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا[ الآية 136 ] إلىسَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ( 139 ) . ( 2 ) . وذلك قوله تعالى :الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ[ الآية الأولى ] إلىوَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ( 3 ) .
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 31 | جعفر شرف الدين