ولا مشترك ههنا إلا كوننا قادرين بالقدرة ، وإذا ثبت هذا وجب فيمن كان قادرا بالقدرة أن يتعذر عليه فعل الجسم والحياة ، الثاني : أن هذه القدرة التي لنا لا شك أن بعضها يخالف بعضا ، فلو قدرنا قدرة صالحة لخلق الجسم والحياة ، لم تكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض ، فلو كفى ذلك القدر من المخالفة في صلاحيتها لخلق الجسم والحياة ، لوجب في هذه القدرة أن يخالف بعضها بعضا وأن تكون صالحة لخلق الجسم والحياة ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن القادر بالقدرة لا يقدر على خلق الجسم والحياة .
ثانيها : أنا لو جوزنا ذلك لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات ، لأنا لو جوزنا استحداث الخوارق بواسطة تمزيج القوى السموية بالقوى الأرضية لم يمكنا القطع بأن هذه الخوارق التي ظهرت على أيدي الأنبياء عليهم السلام صدرت عن اللّه تعالى ، بل يجوز فيها أنهم أتوا من طريق السحر ، وحينئذ يبطل القول بالنبوّات من كل الوجوه .
وثالثها : أنا لو جوزنا أن يكون في الناس من يقدر على خلق الجسم ، والحياة ، والألوان ، لقدر ذلك الإنسان على تحصيل الأموال العظيمة من غير تعب ، لكنا نرى من يدعي السحر متوصلا إلى اكتساب الحقير من المال بجهد جهيد فعلمنا كذبه ، وبهذا الطريق نعلم فساد ما يدعيه قوم من الكيمياء ، لأنا نقول لو أمكنهم ببعض الأدوية أن يقلبوا غير الذهب ذهبا لكان إما أن يمكنهم ذلك بالقليل من الأموال ، فكان ينبغي أن يغنوا أنفسهم بذلك عن المشقة والذلة ، أو لا يمكنهم إلا بالآلات العظام والأموال الخطيرة ، فكان يجب أن يظهروا ذلك للملوك المتمكنين من ذلك بل كان يجب أن يفطن الملوك لذلك لأنه أنفع لهم من فتح البلاد الذي لا يتم إلا بإخراج الأموال والكنوز ، وفي علمنا بانصراف النفوس والهمم عن ذلك دلالة على فساد هذا القول ، قال القاضي : فثبت بهذه
موسوعة تفاسير المعتزلة — صفحة 81
مساهمون: مجموعة مؤلفين
ص٨١