بَعْدِهِ
ينقض قوله سبحانه
فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ
، وادعى أن إحدى الآيتين تقتضي أن لا ولي للكفار ، والثانية ، تقتضي أن لهم وليا ، وأولياؤهم الشيطان ، لأن المراد به الجنس ، لا العين ، فبين شيخنا رحمه اللّه " أبو علي " بعده في هذا الباب ، لأن قوله
فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ
المراد به في الآخرة عند إضلال اللّه لهم بالعقوبة ، وأراد تعالى بقوله
فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ
في دار الدنيا ، وتقييده بذكر اليوم يدل على ذلك ، ثم بين أنه لو كان المراد في وقت واحد لم يتناقض ، لأن المراد فما لهم من ولي ، ينفع وينصح ، وكون الشيطان وليا لا يقتضي أن ينصر ، وينفع ، ويخلص من الإضلال ، فكيف تكون مناقضة « 1 » ! .
5 - ومنها ، ما ادعى من أن قوله جل وعز
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
ينقض قوله سبحانه
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ
وقوله
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ *
، وزعم أن من يستحوذ عليه ، وعلى قلبه ، ويصده لا يجوز أن يكون ضعيف الكيد ، وأن التناقض في ذلك ظاهر ، وقال شيخنا ، رحمه اللّه : إن المراد بأن كيد الشيطان ضعيف ، أنه لا يقدر على أن يضر بالكافر وإنما يوسوس ويدعو فقط ، فإن اتبعه لحقته المضرة ، وإلا فحاله على ما كان ، فهو بمنزلة فقير يوسوس إلى الغني ، في دفع ماله إليه ، وهو يقدر على الامتناع ، فإن وافقه فليس ذلك لقوة كيد الفقير ، لكن لضعف رأيه ، وأتباعه .
وهذه طريقة الكفار مع الشيطان ، وإنما استحوذ عليهم لما اتبعوه على طريق المجاز ، وقال " فصدهم " لما اتبعوه ، على طريق المجاز ، كما يقال في الملك العظيم : قد استحوذ واستولى عليه خادمه ، وقد صده عن العدل والإحسان ، وذلك لا يمنع من أنه ضعيف في نفسه وفي كيده ، فكذلك القول فيما ذكرناه ،
هامش
( 1 ) م . ن ، ج 16 ، ص 391 .