الجبّائي ما معناه :
إن الكفّار مضطرّون يوم القيامة إلى الصدق ، ولا يقع منهم كذب ولا قبيح ؛ لأنّ المعارف تكون ضروريّة ، والتكليف مرتفع .
وقال أيضا فيه ما لفظه : أنّما عنوا : ما كنّا مشركين عند أنفسنا في الدنيا ، وإنّهم في هذا القول صادقون إذ كان لا يجوز أن يكونوا فيها كاذبين في الآخرة « 1 » .
ث - اعلم أن هناك مسائل : . . . المسألة الثالثة : ظاهر الآية يقتضي : أنهم حلفوا في القيامة على أنهم ما كانوا مشركين ، وهذا يقتضي إقدامهم على الكذب يوم القيامة ، وللناس فيه قولان : الأول : وهو قول أبي علي الجبائي ، والقاضي : أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب واحتجا عليه بوجوه :
الأول : أن أهل القيامة يعرفون اللّه تعالى بالاضطرار ، إذ لو عرفوه بالاستدلال لصار موقف القيامة دار التكليف ، وذلك باطل ، وإذا كانوا عارفين باللّه على سبيل الاضطرار ، وجب أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح بمعنى أنهم يعلمون أنهم لو راموا فعل القبيح لمنعهم اللّه منه لأن مع زوال التكليف لو لم يحصل هذا المعنى لكان ذلك إطلاقهم في فعل القبيح ، وأنه لا يجوز ، فثبت أن أهل القيامة يعلمون اللّه بالاضطرار ، وثبت أنه متى كان كذلك كانوا ملجئين إلى ترك القبيح ، وذلك يقتضي أنه لا يقدم أحد من أهل القيامة على فعل القبيح .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : أنه لا يجوز منهم فعل القبيح ، إذ كانوا عقلاء إلّا أنا نقول : لم لا يجوز أن يقال : إنه وقع منهم هذا الكذب لأنهم لما عاينوا أهوال القيامة اضطربت عقولهم ، فقالوا : هذا القول الكذب عند اختلال عقولهم ، أو يقال : إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا . . .
الحجة الثانية : أن القوم الذين أقدموا على ذلك الكذب إما أن يقال : إنهم ما كانوا عقلاء أو كانوا عقلاء ، فإن قلنا إنهم ما كانوا عقلاء فهذا باطل لأنه لا يليق بحكمة اللّه تعالى أن يحكي كلام المجانين في معرض تمهيد العذر ، وإن قلنا
هامش
( 1 ) ابن طاووس : سعد السعود ، ص 268 و 269 . والجدير ذكره ، أن فخر الدين الرازي ذكر ما يشبه ما أورده ابن طاووس عن الجبّائي حول هذه المسألة ، المجلد السادس ، ج 12 / 151 . وكلام الرازي معروض في الفقرة ( ث ) هنا .