تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 633

مساهمون:

ص٦٣٣
الصدقة عطاء وسماحة ، وطهارة وزكاة ، وتعاون وتكافل . . والربا شح وقذارة ودنس ، وأثرة وفردية . . والصدقة نزول عن المال بلا عوض ولا رد . والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه . من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لعمله هو وكده ، ومن لحمه إن كان لم يربح أو خسر ، أو كان قد أخذ المال للنفقة منه على نفسه وأهله ولم يستربحه شيئا . . ومن ثم فهو - الربا - الوجه الآخر المقابل للصدقة . . الوجه الكالح الطالح ، لهذا عرضه السياق مباشرة بعد عرض الوجه الطيب ، السمح ، الطاهر ، الجميل ، الودود ! عرضه عرضا منفرا ، يكشف عما في عملية الربا من قبح وشناعة ، ومن جفاف في القلب وشر في المجتمع ، وفساد في الأرض وهلاك للعباد . ولم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا . ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا - في هذه الآيات وفي غيرها في مواضع أخرى - ولله الحكمة البالغة . فلقد كانت للربا في الجاهلية مفاسده وشروره . ولكن الجوانب الشائهة القبيحة من وجهه الكالح ما كانت كلها بادية في مجتمع الجاهلية كما بدت اليوم وتكشفت في عالمنا الحاضر ، ولا كانت البثور والدمامل في ذلك الوجه الدميم مكشوفة كلها كما كشفت اليوم في مجتمعنا الحديث . فهذه الحملة المفزعة البادية في هذه الآيات على ذلك النظام المقيت ، تتكشف اليوم حكمتها على ضوء الواقع الفاجع في حياة البشرية ، أشد مما كانت متكشفة في الجاهلية الأولى . ويدرك - من يريد أن يتدبر حكمة الله ، وعظمة هذا الدين ، وكمال هذا المنهج ، ودقة هذا النظام - يدرك اليوم من هذا كله ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة . وأمامه اليوم من واقع العالم ما يصدق كل كلمة تصديقا حيا مباشرا واقعا . والبشرية الضالة التي تأكل الربا وتؤكله تنصب عليها البلايا الماحقة الساحقة من جراء هذا النظام الربوي ، في أخلاقها ودينها وصحتها واقتصادها . . وتتلقى - حقا - حربا من الله تصب عليها النقمة والعذاب . . أفرادا وجماعات ، وأمما وشعوبا ، وهي لا تعتبر ولا تفيق ! . وحينما كان السياق يعرض في الدرس السابق دستور الصدقة كان يعرض قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يريد الله للمجتمع المسلم أن يقوم عليه ،